مع اقتراب القادة العرب من عقد قمتهم الثانية منذ اندلاع جريمة الإبادة الجماعية في غزة قبل أكثر من ثلاثة وعشرين شهراً، تتعالى الأصوات المنتقدة لجدوى البيانات التقليدية التي لا تتجاوز حدود الشجب والاستنكار.
وفي وقتٍ يتزايد فيه تغوّل الاحتلال الإسرائيلي واستخفافه بقدرة العرب على ردعه، يطرح خبراء ومحللون رؤى بديلة تؤكد أن مواجهة الاحتلال لا تكون بالشعارات، بل بخطوات واقعية قادرة على إيلامه وتكبيده أثماناً ملموسة.
وقال المؤسّس والرئيس التنفيذي لمركز «ريكونسنس» للبحوث والدراسات عبدالعزيز العنجري، إن “الواقعية هي الطريق الوحيد أمام العالم العربي لتحقيق تأثير ملموس ضد دولة الاحتلال”.
وأضاف العنجري في حديث لـ”قدس برس” أن “أكثر من سبعين عاماً قضيناها وراء أوهام كبرى لم تتحقق؛ في المقابل امتدت إسرائيل وتراجعنا”.
وأوضح أن “إسرائيل لم تتزحزح بسبب قرارات مجلس الأمن أو بيانات الأمم المتحدة أو خطب القمم العربية”، مشيراً إلى أن “ما يربكها حقاً هو الحراك الديمقراطي الحي في عواصم مثل مدريد وبرلين وباريس وواشنطن”.
ورأى العنجري أن “الحقيقة الفلسطينية العادلة أسهل تسويقاً من الكذب الإسرائيلي، لذا يكون الحل بتمكين الشارع الديمقراطي الحي في العالم الذي يملك التأثير المباشر”.
وأكد أن “الإمكانات الواقعية للدول العربية محدودة، فبعض الإجراءات التي تبدو ممكنة نظرياً — كقطع العلاقات الدبلوماسية — ستواجه تدخلاً أمريكياً سريعاً لإجهاضها وتحمّل من يقدم عليها أثمانًا باهظة تعجز أي دولة عربية عن تحمّله”.
ومع ذلك، لفت الباحث الكويتي إلى “وجود خطوات محدودة الكلفة لكنها ذات أثر كبير إذا ما نُفذت بصدق، من بينها: الاستثمار في إعلام دولي يتصدّى للرواية الإسرائيلية ويشوّه صورتها، وفتح قنوات دعم إنساني وقانوني للمتضرّرين من سياسات إسرائيل حول العالم — بدءاً من أستاذ جامعي قد يُطرد في أوروبا بسبب مقال، وصولاً إلى شباب متظاهرين سلمياً في واشنطن يتعرّضون لتهم الإرهاب”.
وأضاف العنجري أن “التضامن مع الدوحة واجب وضرورة في مواجهة العدوان، لكن هذا التضامن لا يكتسب قيمته إلا إذا تُرجم إلى خطوات عملية ملموسة، لا أن يبقى في إطار البيانات التقليدية التي اعتدناها منذ عقود”.
وأشار إلى أن “هذه الأدوات واقعية ومحدودة التكلفة، لكنها قادرة على إلحاق أذى فعلي بإسرائيل من دون مواجهة عسكرية أو صدام مباشر مع واشنطن”.
وتساءل العنجري مستنكراً: “إسرائيل لم تتحرّك يوماً بسبب مجلس الأمن، فهل ستتحرّك من بيان قمة عربية؟”.
من جهته، قال الكاتب الفلسطيني ماجد الزبدة إن “بيانات الإدانة والاستنكار العربية باتت مادة للتندر والسخرية، لكونها لا تتجاوز الحبر الذي تُكتب به، خاصة في ظل تغوّل الاحتلال الإسرائيلي واستخفافه بقدرة العرب على تهديده أو اتخاذ خطوات مؤثرة بحقه”.
وأوضح الزبدة في حديثه لـ”قدس برس”، أن “القادة العرب، الذين يجتمعون للمرة الثانية منذ بدء جريمة الإبادة الجماعية المستمرة منذ ثلاثة وعشرين شهراً في غزة، قد يكتفون بصبّ جام غضبهم على بنيامين نتنياهو، متجاهلين أنه يستند إلى قاعدة شعبية يمينية واسعة تؤيد استمرار الإبادة في غزة، وتبارك سرقة الأرض الفلسطينية في الضفة، بل وترقص فرحاً مع كل قصف يستهدف العواصم العربية، من دمشق إلى بيروت وصنعاء وصولاً إلى الدوحة”.
وشدد على أن “ما يجب أن يدركه القادة المجتمعون في الدوحة، أن نتنياهو لن يتوقف عند حدودها، وقد يتجرأ على قصف عواصم عربية أخرى إذا استمروا في إصدار بيانات الشجب والاستنكار دون اتخاذ خطوات عملية تُضاعف كلفة العدوان الإسرائيلي”.
وأضاف: “ندرك جيداً أن القادة العرب لا يملكون الاستعداد أو القدرة على مواجهة الاحتلال عسكرياً، ولا يرغبون في إغضاب حليفتهم الكبرى واشنطن، لكنهم قادرون — إن توفرت لديهم الإرادة الصادقة — على اتخاذ إجراءات تعبّر عن غضبهم وتضغط على حكومة نتنياهو لإجبارها على وقف الإبادة في غزة وكبح اعتداءاتها المتصاعدة على العواصم العربية.”
وبيّن الزبدة أن المطلوب من القادة العرب تجاوز مربع البيانات الشكلية إلى خطوات عملية وفاعلة، من أبرزها: وقف قطار التطبيع العربي بجميع أشكاله، وطرد سفراء الاحتلال من العواصم العربية، وقطع العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية مع تل أبيب، ورفع قضايا قانونية ضد قادة الاحتلال أمام المحاكم الدولية، والتوقف عن حماية حدود الكيان، ووقف تسخير الأجواء العربية لإسقاط المسيّرات والصواريخ المتجهة نحو العمق الإسرائيلي، ومنع الطيران الإسرائيلي من المرور فوق الأجواء العربية، والكف عن تجريم وملاحقة المقاومة الفلسطينية، ورفع القيود عن التبرعات المالية الموجهة إلى الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال”.
وانطلق في العاصمة القطرية الدوحة اليوم الأحد، اجتماع وزاري تحضيري مغلق، عشية قمة عربية إسلامية تبحث العدوان الإسرائيلي على قطر.
وبدأ وزراء خارجية دول منظمة “التعاون الإسلامي” و”جامعة الدول العربية” اجتماعا في الدوحة، برئاسة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بحسب وكالة الأنباء القطرية “قنا”.
وتشهد الجلسة الرئيسية للاجتماع مناقشة صياغة مشروع بيان لرفعه إلى القمة العربية الإسلامية في الدوحة، غدا الاثنين، بشأن العدوان الإسرائيلي على قطر.
وبالتزامن مع الاجتماع بدأ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الأحد زيارة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، غداة تأكيده أن هجومها على الدوحة لن يؤثر على العلاقات بين بلاده وإسرائيل.
وشن جيش الاحتلال، الثلاثاء، هجوما جويا على قيادة حركة “حماس” بالدوحة، و ما أدانته قطر وأكدت احتفاظها بحق الرد على هذا العدوان الذي أدى لاستشهاد عنصرا من قوى الأمن الداخلي القطري.
فيما أعلنت “حماس” نجاة وفدها المفاوض بقيادة رئيسها بغزة خليل الحية، من محاولة الاغتيال، واستشهاد مدير مكتبه جهاد لبد، ونجله همام الحية، وثلاثة مرافقين.
واستهدف الهجوم اجتماعا لقادة “حماس” أثناء مناقشة مقترح جديد قدمته الولايات المتحدة لإبرام اتفاق بين دولة الاحتلال و”حماس” لتبادل أسرى ووقف إطلاق النار في قطاع غزة.
وأثار العدوان الإسرائيلي على سيادة قطر إدانات عربية ودولية، مع دعوات إلى ضرورة ردع دولة الاحتلال لوقف اعتداءاتها التي تنتهك القانون الدولي.
وجاء الهجوم على قطر رغم قيامها بدور وساطة، إلى جانب مصر وبإشراف أمريكي، في مفاوضات غير مباشرة بين “حماس” وإسرائيل، للتوصل إلى اتفاق لتبادل أسرى ووقف 7إطلاق النار.
ويأتي ذلك بينما تواصل قوات الاحتلال منذ الـ7 من تشرين الأول/أكتوبر 2023 بدعم أمريكي غربي حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، مما أسفر حتى الآن عن استشهاد وإصابة أكثر من 229 ألف فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى نزوح مئات الآلاف، في وقت أودت فيه المجاعة بحياة 420 فلسطينيا، بينهم 141 طفلا.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY