مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة وبلوغها مستويات غير مسبوقة بفعل الحصار الإسرائيلي المشدد، يعاني القطاع منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 من نقص حاد في السلع الغذائية الأساسية والتموينية، وتفشي المجاعة، وتفاقم أزمة السيولة، واختفاء القطع المعدنية، ورفض التعامل مع بعض العملات الورقية المهترئة نتيجة استمرار استخدامها.
وقد أدى رفض التجار والباعة التعامل بهذه العملات، إلى جانب امتناع الاحتلال عن إدخال عملة الـ “شيكل” منذ بدء الحرب، إلى دفع المواطنين والتجار نحو “الدفع الرقمي” كبديل حيوي لتسيير المعاملات التجارية وتجاوز أزمة النقد المتفاقمة.
ورغم أهمية هذا التحول، لم تكن تجربة التعامل المصرفي “الرقمي” سهلة على أهالي القطاع، إذ إن الظروف القاسية التي يعيشونها جعلت التكيف مع أي مستجد محفوفًا بالحذر، خوفًا من عمليات الاحتيال والنصب.
يقول التاجر الغزي أحمد أبو علي إن “الدفع الرقمي قبل الحرب كان نادرًا جدًا، إلا أنه أصبح في هذه الأوقات ضرورة ملحة يجب العمل بها، في ظل انعدام السيولة النقدية والعزوف عن استخدام وتداول أوراق النقد المهترئة”.
ويضيف في حديثه لمراسلة “قدس برس” أن “اختفاء النقود المعدنية واهتراء العملة الورقية دفعا الزبائن للاعتماد على التطبيقات، الأمر الذي ساعد على انخفاض عمولة السحب النقدي وبالتالي تقليل الخسائر”.
ورغم هذا التوجه، يشير أبو علي إلى أن بعض الزبائن لا يزالون يصرون على التعامل النقدي، مما يعقّد الأمور في ظل غياب السيولة في الأسواق. ويبين أن التعامل الرقمي عبر الوسائل الإلكترونية في بدايته كان صعبًا للغاية، بسبب ضعف شبكة الإنترنت وقلة الخبرة لدى المواطنين والتجار والباعة والزبائن على حدٍّ سواء.
من جهتها، تؤكد الفلسطينية نسرين ورش أغا أن التعامل الرقمي وفّر عليها عناء البحث عن نقود، خاصة مع رفض التجار للعملات المهترئة. وتقول لـ “قدس برس” إن “المشكلة الوحيدة التي يجب إيجاد حل لها هي فرق الأسعار بين التعامل النقدي والتعامل المصرفي وبالمحافظ الإلكترونية”، مشيرة إلى ضرورة توحيدها، خاصة بعد نفاد النقد من جيوب الغزيين.
وتؤكد في الوقت نفسه أن التوجه نحو استخدام “الدفع الرقمي” سهّل عملية البيع والشراء، بعدما كان الجميع يعاني من نقص السيولة وارتفاع نسبة عمولة السحب.
أما المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر، فيرى أن “الدفع الرقمي بات الحل الأساسي لأزمة السيولة في غزة، إلى جانب إدخال النقد دون الحاجة للتعامل مع الاحتلال لتأمينه”.
ويقول متحدثًا لـ “قدس برس” إن “التوجه للدفع الرقمي يعتبر بديلاً فعالًا لتخفيف الأزمة، حيث انخفضت عمولة السحب النقدي، أو ‘التكييش’، من 50 إلى حوالي 25 بالمئة، وهذا الانخفاض يتزايد مع استمرار ضخ البضائع التجارية وقبول التجار للدفع الإلكتروني عبر التطبيقات”.
ويضيف أن أزمة السيولة في طريقها إلى الحل، بشرط استمرار إدخال كميات كبيرة من البضائع دون معيقات، وقبول التجار المستوردين للدفع الإلكتروني. ويبين أن قرار الاحتلال الإسرائيلي بالسماح بالدفع الإلكتروني يسهل عليه مراقبة حركة الأموال.
ويوضح أن استقرار الأسعار لا يرتبط مباشرة بطريقة الدفع، سواء كانت رقمية أو نقدية، بل بحجم البضائع التي يسمح الاحتلال بإدخالها. ومع زيادة ضخ البضائع، يُتوقع انخفاض الأسعار واستقرار نسبي، بينما يؤدي تقييد الإمدادات إلى رفعها، مؤكدًا أن هذا التذبذب متوقع في ظل الحرب.
ويؤكد أبو قمر أن “الدفع الرقمي يقلل التضخم النقدي بشكل كبير، حيث كان المواطن يخسر نصف أمواله للحصول على النقد، أما الآن فهو يحمي أمواله من الخسارة غير المبررة”.
ويعتبر أن نقص النقد زاد من الحركة التجارية عبر “الدفع الرقمي”، فبالرغم من ضعف القدرة الشرائية، نشهد نشاطًا نسبيًا مقارنة بالأسابيع السابقة، حيث كانت العمليات التجارية تتوقف بسبب عدم قدرة المواطنين على سحب الأموال أو رفض التجار للعملات المهترئة.
وعن تحديات الدفع الرقمي عبر الوسائل الإلكترونية، يقول أبو قمر إن “أبرزها غياب بنية تحتية تكنولوجية سليمة، فالإنترنت والشبكات مدمرة، والتحويلات تواجه صعوبات، خاصة مع انقطاع الإنترنت كما حدث قبل شهر، فضلًا عن نقص التوعية المالية، وهو تقصير من سلطة النقد، أدى إلى عمليات نصب واحتيال بسبب اختلاف الثقافة المالية، كذلك فإن مخاطر اختراق الحسابات تتطلب إجراءات أمنية مشددة من المصارف”.
ومنذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، يواصل الاحتلال الإسرائيلي، وبدعم أمريكي مطلق، عدوانه على قطاع غزة في حملة وُصفت دوليًا بأنها إبادة جماعية، تتضمن القتل والتجويع والتدمير والتهجير، رغم أوامر محكمة العدل الدولية بوقف العمليات والامتثال للقانون الدولي.
وقد خلّف العدوان أكثر من 213 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء، وما يزيد على 9 آلاف مفقود، إلى جانب مئات آلاف النازحين.
وارتفع عدد الوفيات جراء المجاعة وسوء التغذية إلى 227 شهيدًا، من بينهم 103 أطفال.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY