Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

536 اعتداء منذ مطلع 2026: الاحتلال يلاحق الزراعة الفلسطينية في الضفة

لم يعد الضرر الذي يلحق بالزراعة الفلسطينية في الضفة الغربية مقتصرًا على موسم ينتهي بخسارة محصول أو أشجار تُقتلع من جذورها؛ فبالنسبة إلى مزارعين ومستثمرين، تتحول الأرض التي بنوا عليها أعمالهم ومصادر دخل عائلاتهم إلى ركام خلال ساعات، فيما تمتد الخسائر إلى عمال يفقدون وظائفهم ومجتمعات محلية تتراجع فيها فرص العمل والإنتاج.

المزارع نشأت ضياء الدين من محافظة جنين شمالي الضفة الغربية، يعيش واحدة من هذه التجارب، بعدما لحقت بأراضيه ومشاريعه الزراعية خسائر توصف بالفادحة، طاولت مئات الدونمات، وبلغت قيمتها مئات آلاف الدولارات.

ولم تكن الخسارة بالنسبة إليه مرتبطة بموسم زراعي واحد، بل بما تمثله الأرض من استثمار طويل الأمد ومصدر دخل كان يفترض أن يستمر لسنوات.

وفي الأغوار، شرقي الضفة الغربية، تبدو الصورة أكثر اتساعًا في تجربة رجل الأعمال صدقي الحسن، الذي تعرضت مشاريع استثمارية زراعية كاملة للتجريف والتسوية بالأرض.

ولم يتوقف أثر التدمير عند المنشآت والمشاريع التي جرى استثمار أموال كبيرة فيها، إذ وجد مئات العمال أنفسهم أمام فقدان مصدر رزقهم، بعدما كانت هذه المشاريع توفر لهم فرص عمل ودخلًا يعيلون به عائلاتهم.

وتكشف هاتان الحالتان جانبًا من مشهد أوسع تشهده الأراضي الزراعية الفلسطينية في الضفة الغربية، حيث تتواصل عمليات التجريف وإتلاف المحاصيل واقتلاع الأشجار وتدمير المزروعات على نحو يستهدف ليس فقط الإنتاج الزراعي الحالي، وإنما قدرة الفلسطينيين على إبقاء الأرض منتجة ومصدرًا للرزق في المستقبل.

وبحسب معطيات مركز معلومات فلسطين “معطى” (حقوقي مستقل) نفذت قوات الاحتلال والمستوطنون 536 عملية استهدفت الأراضي الزراعية والمحاصيل منذ بداية عام 2026 وحتى نهاية آب/ أغسطس الماضي.

وسجل الشهر الماضي وحده 64 عملية، أي نحو 12% من إجمالي الاعتداءات المرصودة خلال ثمانية أشهر، بمعدل يقارب عمليتين يوميًا.

وتظهر الأرقام أن الاعتداءات لم تأتِ على شكل موجات عابرة مرتبطة بموسم زراعي محدد، إذ بلغ متوسطها خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام نحو 67 عملية شهريًا. وهو معدل يعكس استمرار الضغط على القطاع الزراعي، في وقت يحتاج فيه المزارع إلى الاستقرار والوصول الآمن إلى أرضه لضمان استمرار الإنتاج.

ولا تتوقف آثار هذه الاعتداءات عند قيمة الأشجار والمحاصيل والمنشآت التي يجري تدميرها؛ فتجريف أرض زراعية يعني خسارة سنوات من العمل والاستثمار، بينما يؤدي اقتلاع الأشجار المثمرة إلى إضعاف القدرة الإنتاجية للأرض لفترات طويلة.

أما تدمير المشاريع الزراعية والاستثمارية فيحمل تداعيات إضافية، لأنه يضرب سلسلة كاملة تبدأ بالمستثمر والمزارع ولا تنتهي عند العامل الذي يعتمد على دخله اليومي.

وتبرز حالة الأغوار بصورة خاصة في هذا السياق، نظرًا إلى اعتماد أجزاء واسعة من اقتصاد المنطقة على الزراعة والمشاريع المرتبطة بها. وعندما تُجرف مشاريع استثمارية بكاملها، فإن الخسارة لا تُقاس فقط بثمن المعدات والمنشآت والأراضي المزروعة، وإنما بعدد الأسر التي تفقد مصدر دخلها، وبحجم الإنتاج الذي يخرج من السوق، وبالاستثمارات التي تصبح مهددة بالتوقف أو الانسحاب.

أما في جنين، فإن خسارة المزارع نشأت ضياء الدين مئات الدونمات ومئات آلاف الدولارات تعكس هشاشة الوضع الذي يواجهه أصحاب الأراضي الزراعية، خصوصًا عندما تتكرر الاعتداءات في محيط الأراضي أو يصبح الوصول إليها واستثمارها محفوفًا بالمخاطر.

ويرى فلسطينيون أن استهداف القطاع الزراعي يحمل بُعدًا يتجاوز الخسارة الاقتصادية المباشرة، لأن الأرض بالنسبة إلى المزارع ليست أصلًا ماليًا فحسب، وإنما مصدر إنتاج واستقرار ووسيلة للحفاظ على الوجود في المكان. وكلما تراجعت قدرة المزارع على زراعة أرضه أو حماية محصوله، ازدادت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تدفعه إلى ترك النشاط الزراعي.

وتنعكس هذه الخسائر كذلك على الأمن الغذائي الفلسطيني؛ فالزراعة توفر جزءًا مهمًا من احتياجات السوق المحلية، وتراجع الإنتاج نتيجة التجريف واقتلاع الأشجار وإتلاف المحاصيل يعني زيادة الاعتماد على مصادر خارجية، في وقت تواجه فيه الأراضي الفلسطينية أصلًا ضغوطًا اقتصادية وسياسية متزايدة.

كما أن تدمير المحاصيل الموسمية يمكن أن يحرم المزارع من دخل موسم كامل، بينما يحتاج تعويض الأشجار المثمرة وإعادة تأهيل الأراضي والمنشآت إلى سنوات واستثمارات جديدة. وفي بعض الحالات، قد لا تكون العودة إلى الإنتاج ممكنة سريعًا، خصوصًا عندما تتكرر الاعتداءات أو تتعرض البنية الزراعية للتدمير أكثر من مرة.

وبينما تظهر الأرقام 536 اعتداءً خلال ثمانية أشهر، تحمل كل عملية منها قصة خسارة مختلفة؛ مزارع فقد محصولًا، وآخر اقتُلعت أشجاره، ومستثمر دُمّر مشروعه، وعامل انقطع راتبه، وأسرة أصبحت أمام مصدر دخل أقل استقرارًا.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY