لم يعد وصول البضائع إلى قطاع غزة مجرد مسألة تجارية تتعلق بحركة الشاحنات والأسواق، بل بات شريانًا أساسيًا يرتبط بتوفير الغذاء والاحتياجات اليومية لمئات آلاف الأسر التي أنهكتها سنوات الحرب والنزوح وتراجع القدرة الشرائية.
ومع إعلان منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية وقف إدخال البضائع التجارية إلى القطاع، الأحد 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، تتجدد المخاوف من اتساع النقص في الأسواق وارتفاع الأسعار، في وقت لا يملك فيه كثير من الغزيين القدرة على تحمّل أعباء معيشية إضافية.
ويأتي هذا التطور امتدادًا لتعليق التنسيقات التجارية خلال الأيام الماضية، وسط خلاف بشأن الرسوم المفروضة على الشاحنات وآليات تحصيل الأموال من التجار. وبينما تتبادل الأطراف المعنية المسؤولية عن تعطّل حركة البضائع، يبقى الفلسطينيون الحلقة الأضعف في هذه الأزمة، إذ يجدون أنفسهم أمام سوق تتقلص إمداداته، واحتياجات أساسية تتزايد، ودخل لا يكاد يكفي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
ويشكّل التنسيق التجاري المسار الذي تمر عبره البضائع التي يستوردها التجار إلى قطاع غزة، في ظل خضوع حركة الاستيراد والعبور لقيود وإجراءات تتحكم بها السلطات الإسرائيلية. ولذلك، فإن توقف التنسيقات لا يعني فقط تأخر وصول الشاحنات، بل يهدد انتظام تدفق السلع التي تعتمد عليها الأسواق المحلية لتلبية احتياجات السكان.
وتتجاوز تداعيات توقف إدخال البضائع حدود التجار والشركات، لتصل إلى تفاصيل الحياة اليومية للأسر، لا سيما أن الأسواق التجارية توفر أصنافًا متنوعة من الأغذية والسلع التي لا تغطيها المساعدات الإنسانية بالضرورة، أو لا تصل بالكميات المطلوبة وفي التوقيتات المناسبة.
ومع استمرار التعليق، تتزايد المخاوف من تراجع المعروض من السلع الطازجة والاحتياجات الأساسية، وارتفاع الأسعار نتيجة محدودية الإمدادات واضطراب حركة الاستيراد. وتصبح هذه التداعيات أكثر قسوة على الأسر التي فقدت مصادر دخلها أو استنزفت مدخراتها خلال الحرب، ولم تعد قادرة على مجاراة أي ارتفاع جديد في تكاليف المعيشة.
ولا تقتصر المشكلة على توافر السلع في الأسواق، بل تمتد إلى قدرة المواطنين على شرائها؛ فوجود المنتجات على الرفوف لا يعني أن الأسر تستطيع الوصول إليها، في ظل تراجع القدرة الشرائية واتساع الاحتياجات اليومية.
نفي فرض رسوم على الشاحنات
من جهته، نفى مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، بشكل قاطع، فرض حكومته أي ضرائب أو رسوم على الشاحنات التجارية أو الأنشطة التجارية عمومًا.
وقال الثوابتة، في حديثه لوكالة “قدس برس”، إن الحكومة أوقفت تحصيل أي رسوم منذ ثلاث سنوات، مراعاةً للظروف الإنسانية والاقتصادية الكارثية الناجمة عن حرب الإبادة الجماعية.
وأضاف أن ما يروّج له الاحتلال بشأن فرض مبلغ عشرة آلاف شيكل ليس جباية أو ضريبة قسرية، وإنما “مبادرة مجتمعية اختيارية” أسهم فيها عدد من رجال الأعمال والمؤسسات ضمن صندوق وطني لدعم الفئات الأكثر تضررًا، بمن فيهم الأيتام والأرامل وذوو الاحتياجات الخاصة، وتمويل مشاريع الإيواء والإغاثة العاجلة.
وشدد على أن محاولة الاحتلال تشويه هذا التكافل الوطني تمثل، وفق تعبيره، محاولة مكشوفة للتهرب من مسؤولياته الإنسانية.
وتابع أن استغلال الاحتلال الإجراءات التنظيمية الداخلية ذريعةً لوقف التنسيق التجاري يمثل “ابتزازًا”، موضحًا أن الإجراءات المتعلقة بالتعاملات النقدية، والتي تتضمن نسبة ثلاثين بالمئة، جاءت استجابةً لمبادرة من الغرفة التجارية لمعالجة النقص الحاد في السيولة النقدية وتلف الأوراق النقدية، وهما عاملان قال إنهما عرّقلا حياة المواطنين.
وأوضح أن أي إجراءات قانونية اتُّخذت بحق بعض التجار استندت حصرًا إلى شبهات ومخالفات تستوجب المساءلة القضائية، بهدف حماية السوق من الاحتكار والتلاعب بالأسعار.
وأكد أن الحكومة لن تترك الفلسطينيين في غزة فريسة للاستغلال الداخلي، ولن تسمح للاحتلال ببناء استنتاجات عامة على حالات فردية تخضع للمساءلة القانونية، وتصويرها على أنها “حملة للسيطرة على الأموال”.
واعتبر الثوابتة أن إعلان ما يُسمّى “المنسق” وقف إدخال البضائع وعدم التوصل إلى حل يمثل قرارًا سياسيًا متعمدًا لتعميق سياسة التجويع بحق الفلسطينيين.
وحذّر من أن استمرار وقف التنسيق التجاري سيُسرّع الانهيار الإنساني والاقتصادي في قطاع غزة، ويعرقل جهود توفير الغذاء والدواء ومواد الإيواء الأساسية لمئات الآلاف من النازحين، فضلًا عن التسبب في شح غير مسبوق في السلع، بما يدفع الأوضاع الإنسانية نحو مستويات أكثر كارثية.
وأشار إلى أن الأولوية القصوى للجهاز الحكومي تتمثل في ضمان التدفق المنتظم والكافي للبضائع.
وأضاف: “نرفض بشكل قاطع ربط إدخال المساعدات والبضائع بأي ادعاءات واهية تتعلق بتنظيم السوق الداخلي، ونتمسك بحق شعبنا في إدخال ستمئة شاحنة يوميًا دون قيود أو تقليص، وفقًا للتفاهمات المعلنة، ومنها مسار شرم الشيخ”.
وتابع أن الجهات الإقليمية والدولية، بما فيها مصر وقطر وتركيا ومنسقو الأمم المتحدة واللجنة الوطنية لإدارة غزة، وُضعت في صورة هذه الحقائق عبر مخاطبات رسمية.
ودعا الوسطاء إلى التحرك الفوري وممارسة ضغط فعلي وملزم على حكومة الاحتلال لفتح المعابر واستئناف الحركة التجارية دون ابتزاز، مؤكدًا انفتاح الحكومة على الجهات الدولية المعنية، واستعدادها لتقديم الوثائق التي تثبت سلامة إجراءاتها التنظيمية والقانونية.
تحذيرات من تضخم الأسعار والاحتكار
من جانبه، أكد المختص بالشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن أزمة إغلاق المعبر ووقف إدخال الشاحنات التجارية تكشف حجم الاختلال في سوق غزة، ومدى النفوذ الذي بات يتمتع به بعض التجار في التحكم بتدفق السلع وأسعارها، في ظل القيود الإسرائيلية وضعف الرقابة والمساءلة.
وأضاف، في حديثه لوكالة “قدس برس”، أن المشكلة لا تتعلق فقط بتوقف الشاحنات، بل بالمنظومة التي سبقت ذلك، إذ تُفرض تكاليف مرتفعة على إدخال البضائع، تحت مسميات التنسيقات، تصل إلى آلاف الشواكل للشاحنة الواحدة، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع، ويدفع المواطن ثمنه في ظل تراجع قدرته الشرائية إلى مستويات قاسية.
وتابع أن أي رسوم إضافية على الشاحنات، سواء فُرضت تحت مسمى التنسيقات أو الضرائب، ستتحول تلقائيًا إلى زيادة في السعر النهائي للسلع، ما يعني تفاقم التضخم واستنزافًا إضافيًا لدخول الأسر، خصوصًا في ظل محدودية المنافسة وشح البدائل.
وأشار إلى أن تخصيص نسبة من السيولة النقدية لدى كبار التجار خطوة في الاتجاه الصحيح، ويمكن أن تسهم في تخفيف أزمة السيولة وتنشيط التداول بالشيكل، شريطة وضوح آليات التنفيذ وخضوعها للرقابة، وألا تتحول إلى عبء إضافي يُنقل إلى المستهلك.
وأوضح أن المطلوب حاليًا هو ضبط العلاقة بين التجار والجهات الحكومية، وضمان دخول البضائع دون أعباء غير مبررة، بالتوازي مع تعزيز الرقابة على الأسواق ومنع الاحتكار.
وحذّر من أن استمرار تحكم أطراف محدودة في تدفق السلع وتكاليفها سيُفاقم الأزمة المعيشية، ويُبقي المواطن الحلقة الأضعف في معادلة لا يملك التأثير في قراراتها.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY