أثار البيان الصادر عن رئيس ما يسمى بـ”مجلس السلام”، نيكولاي ميلادينوف، عقب لقائه برئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، موجة واسعة من الانتقادات السياسية، بعدما اعتُبر تراجعًا عن التفاهمات التي جرى التوصل إليها خلال المفاوضات بشأن وقف الحرب على غزة.
وبينما رأى محللون أن أي اتفاق يجب أن يُقرأ في سياق إنهاء العدوان وحماية الشعب الفلسطيني، حذر آخرون من أن الطروحات الجديدة تمنح الاحتلال مكاسب إضافية على حساب الحقوق الفلسطينية.
وقال الكاتب والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين إن السياسة لا تعرف لحظات مثالية، بل لحظات تفرضها موازين القوى والقدرة على حماية المصالح العليا للشعوب، معتبرًا أن خارطة ميلادينوف جاءت امتدادًا لمسار تفاوضي طويل فرضته الكلفة الإنسانية الباهظة التي تحملها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
وأوضح شاهين في حديث ل”قدس برس”، أن الهدف من هذا المسار لم يكن تقديم تنازلات مجانية، وإنما الوصول إلى صيغة تفضي إلى وقف الحرب، ومنع استمرار الاستنزاف، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الحقوق الوطنية وإنقاذ الإنسان الفلسطيني.
وأضاف أن القراءة المتأنية لبنود الاتفاق تظهر أن الأولوية انصبت على تحقيق وقف دائم لإطلاق النار، والانسحاب الكامل لقوات الاحتلال، وإطلاق عملية إغاثة واسعة، وإعادة إعمار قطاع غزة، وهي الأهداف التي شكلت جوهر الموقف الفلسطيني طوال جولات التفاوض.
وأشار إلى أن حركة “حماس” أبدت مرونة سياسية محسوبة هدفت إلى إزالة الذرائع التي استخدمها الاحتلال لإطالة أمد الحرب، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية وعدم المساس بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.
وفيما يتعلق بالجدل الدائر حول قضية السلاح، أكد شاهين أن كثيرًا من الانتقادات لا تستند إلى النصوص الفعلية للاتفاق، موضحًا أن ما ورد فيه يتعلق بحصر السلاح وتخزينه ضمن ترتيبات فلسطينية مؤقتة خلال فترة سريان الاتفاق، دون نقله إلى أي جهة غير فلسطينية أو المساس بملكيته الفلسطينية.
وأشار إلى أن تنفيذ هذه الترتيبات يبقى مشروطًا باستكمال الاحتلال التزاماته، وفي مقدمتها الانسحاب الكامل من القطاع، وبدء اللجنة الوطنية الفلسطينية مهامها، إلى جانب مباشرة قوة الاستقرار الدولية عملها، وتفكيك المجموعات المسلحة المرتبطة بالاحتلال، بما يعني أن هذا الملف بقي ضمن القرار الفلسطيني ولم يتحول إلى أداة إملاء خارجية.
ولفت إلى أن دور قوة الاستقرار الدولية يقتصر على مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار والفصل بين قوات الاحتلال والسكان المدنيين، ولا يمتد إلى إدارة الشأن الفلسطيني الداخلي، في حين تتولى اللجنة الوطنية إدارة ملف إعادة الإعمار وتنظيم الملفات المدنية، بما في ذلك أوضاع موظفي القطاع العام، وفق معايير قانونية ومهنية تحفظ الحقوق وتصون الكرامة.
ورأى شاهين أن الوصول إلى هذه المرحلة يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الوسطاء والمجتمع الدولي بأن استمرار الحرب لم يعد قابلًا للاستدامة، وأن أي استقرار حقيقي يبدأ بوقف العدوان وإنهاء الاحتلال وتهيئة البيئة اللازمة لإعادة الحياة إلى قطاع غزة.
وأكد أن العامل الحاسم في كل ذلك يبقى صمود الشعب الفلسطيني، الذي فرض حضوره على المعادلة، وأثبت أن الإرادة الوطنية قادرة على تحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية عندما تُدار المرحلة بعقلانية ووحدة في القرار والتمسك بالثوابت الوطنية.
واستدرك بالقول إن التجارب السابقة تؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي لا يُعوَّل عليه في الالتزام بأي اتفاق، ما لم يتعرض لضغط أمريكي فعلي يجبره على تنفيذ تعهداته.
من جانبه، اعتبر الكاتب والباحث السياسي صالح أبو عزة أن البيان الذي أصدره ما يسمى بـ”مجلس ترامب” عقب لقاء ميلادينوف بنتنياهو يمثل “انقلابًا كاملًا” على ورقة القاهرة، موضحًا أن ما ورد فيه يشترط استكمال الانسحاب الإسرائيلي إلى “الخط الأصفر” بعد التخلص الكامل من السلاح.
وأضاف في منشور عبر حسابه على موقع “إكس” أن الطرح الجديد يعني عمليًا مطالبة الفلسطينيين بالتخلي عن كامل سلاح قطاع غزة مقابل انسحاب الاحتلال من نصف جغرافية القطاع، وهو ما يشكل تغييرًا جوهريًا في التفاهمات السابقة.
بدوره، قال الكاتب سعيد الحاج إن ميلادينوف انقلب بالكامل على الاتفاق الذي وقعته حركة “حماس” والفصائل الفلسطينية، بعدما ادعى أن المطلوب هو تسليم السلاح وليس تخزينه، وأن ذلك يشمل جميع أنواع السلاح، بما فيها الأسلحة الخفيفة والفردية، وليس الأسلحة الثقيلة فقط.
ورأى الحاج في منشور عبر حسابه على موقع “إكس”، أن هذه التصريحات تؤكد مجددًا انحياز ميلادينوف الكامل لرؤية حكومة الاحتلال، وتبنيه للمواقف التي يطرحها رئيسها بنيامين نتنياهو، بما يتعارض مع التفاهمات التي جرى التوصل إليها خلال مسار المفاوضات.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY