قال تقرير أعده “المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان” التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، إن جرائم المستوطنين ومنظماتهم الإرهابية تبلغ ذروتها خلال موسم قطاف الزيتون، في ظل تصاعد الاعتداءات التي تستهدف المزارعين الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم.
وأضاف المكتب، في تقرير الاستيطان الأسبوعي الصادر اليوم السبت، أن موسم قطاف الزيتون يشكل مناسبة سنوية يجتمع فيها المزارعون الفلسطينيون مع عائلاتهم وأقاربهم لجني المحصول، في مشهد يعكس ارتباطهم الوجداني بشجرة الزيتون التي تشكل جزءًا أصيلًا من التراث والهوية الفلسطينية. وكان هذا الموسم يشهد طابعًا شعبيًا بهيجًا يضج بالحياة والانتماء في الحقول الممتدة على الجبال والسهول والوديان.
وأشار التقرير إلى أن هذا المشهد تبدّل منذ نهاية عام 2023، بعد أن شهدت الضفة الغربية موجة واسعة من التوسع الاستيطاني، رافقتها عمليات انتشار للبؤر والمزارع الاستيطانية. وتقلّصت مساحات الحقول التي يستطيع المزارع الفلسطيني الوصول إليها بفعل إرهاب غير مسبوق ترعاه دولة الاحتلال، طال البشر والشجر في آن واحد.
ولفت إلى أن المساحات الزراعية لم تعد كما كانت، إذ مزقتها وعزلتها عن أصحابها مئات الحواجز والسواتر الترابية والبوابات، وأصبح الوصول إليها محفوفًا بالمخاطر، سواء على المحصول أو على حياة المزارعين، في ظل ممارسات جيش الاحتلال وميليشيات بن غفير وعصابات الإجرام من المستوطنين.
مساحات واسعة مزروعة بالزيتون ومخاطر متزايدة على الموسم
بنظرة إلى المساحات المزروعة بأشجار الزيتون في الضفة الغربية، أوضح التقرير أنها كانت تصل إلى نحو 552 ألفًا و534 دونمًا، وتشكل شجرة الزيتون الركيزة الأساسية للقطاع الزراعي الفلسطيني، إذ تستحوذ على نحو 85 بالمئة من إجمالي مساحة البستنة الشجرية. (الدونم يعادل ألف متر مربع)
وفي قطاع غزة، كانت مساحة الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون قبل حرب الإبادة التي شنها الاحتلال على القطاع بدءًا من الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023 تُقدّر بنحو 50 ألف دونم، وقد أخرجت الحرب ما يقارب 90 بالمئة من هذه المساحات عن الخدمة والإنتاج.
ووفقًا للبيانات الرسمية الفلسطينية، تقلّصت المساحات المتبقية أو التي يمكن الوصول إليها إلى نحو 5 آلاف دونم فقط، ما تسبب في هبوط حاد في إنتاج الزيت واتساع فجوة العجز الغذائي في هذا القطاع الحيوي. كما تراجع الإنتاج الإجمالي لثمار الزيتون خلال سنوات الحرب بنسبة 87.5 بالمئة، من 40 ألف طن سنويًا إلى نحو 5 آلاف طن، فيما انخفض إنتاج زيت الزيتون بأكثر من 86 بالمئة، من 5 آلاف طن إلى 700 طن فقط، ما حرم العائلات من مؤونتها الأساسية ورفع الأسعار في الأسواق.
توقعات بمحصول جيد عدا المخاوف من تصاعد اعتداءات المستوطنين
وفي حين تتوقع وزارة الزراعة في السلطة الفلسطينية أن يكون عام 2026 عامًا جيدًا لمحصول الزيتون، وأن يتضاعف الإنتاج ليصل إلى نحو 125 كيلوغرامًا للدونم، تتعاظم المخاوف من أن تحول اعتداءات المستوطنين دون استفادة المزارعين من الموسم.
فالتوقعات، وفق العديد من المصادر، لم تعد العامل الحاسم في تحديد مصير الموسم، بعد أن تحول إلى موسم ذروة في عنف المستوطنين، في ضوء تجارب الأعوام القليلة الماضية، ولا سيما العام الماضي الذي شهد أعلى مستويات العنف في الضفة الغربية خلال العشرين عامًا الأخيرة.
ووثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” 364 حادثة عنف بين تشرين الأول/أكتوبر ومنتصف تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، شملت هجمات شنها المستوطنون على الفلسطينيين، وحرق ممتلكاتهم وحقولهم، وسرقة الحيوانات وقتلها، واقتلاع الأشجار، فضلًا عن سقوط ضحايا.
وتشير المعطيات إلى أن العام الحالي قد يكون أكثر قسوة من سابقه خلال موسم القطاف، بعد أن شهدت الأشهر الأولى منه أكثر من 1600 حادثة اعتداء نفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين، أدت إلى إصابات جسدية وأضرار في الممتلكات، مقارنة بأكثر من 1800 حادثة سُجلت خلال العام الماضي بأكمله، وذلك قبل بدء موسم قطاف الزيتون الحالي.
ووفقًا لـ”أوتشا”، اقتُلع نحو 28 ألف شجرة وشتلة، معظمها من أشجار الزيتون، في الضفة الغربية خلال الفترة الممتدة من موسم القطاف السابق في تشرين الأول/أكتوبر 2025 وحتى أيلول/سبتمبر 2026، في اعتداءات نُسبت إلى المستوطنين.
وتزداد خطورة الوضع عندما تقع الأراضي الزراعية في محيط المستوطنات والبؤر الاستيطانية، حيث تتداخل القيود العسكرية مع وجود المستوطنين والطرق الالتفافية والبوابات والحواجز. وقد وثقت الأمم المتحدة، خلال موسم العام الماضي، حالات عديدة مُنع فيها المزارعون من الوصول إلى حقولهم رغم وجود ترتيبات مسبقة، كما سُجلت حالات بقيت فيها آلاف الدونمات من بساتين الزيتون دون قطاف، بعد توسع البؤر الاستيطانية الجديدة والاعتداءات التي حالت دون وصول أصحابها إليها.
وفي موسم هذا العام، تبدو الصورة أكثر قسوة، إذ يدخل المزارعون الموسم في ظل توسع استيطاني وانتشار واسع للبؤر والمزارع الرعوية الاستيطانية، إلى جانب الاعتداءات المتواصلة على القرى والأراضي الزراعية.
ويضاعف المخاطر توقف الوحدة المركزية للشرطة الإسرائيلية، بقيادة أفشاي معلم، المقرب من وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير، عن التنسيق مع جهاز الأمن العام الإسرائيلي “شاباك” للحد، ولو في أضيق نطاق، من اعتداءات المستوطنين.
اعتداءات دامية تطال قاطفي الزيتون
وبدأ المستوطنون اعتداءاتهم على المزارعين الفلسطينيين خلال موسم قطاف الزيتون الحالي في وقت مبكر، وارتقى شهداء جراء هذه الاعتداءات.
ففي سهل رامين شرق مدينة طولكرم والمناطق المحيطة به، تصاعدت اعتداءات المستوطنين، وكان آخرها هجوم دموي ارتكبه مستوطنون توفر لهم قوات الاحتلال الحماية، وأسفر عن استشهاد الفلسطيني علي حسن البزاري وإصابة تسعة آخرين بجروح متفاوتة، بينها إصابات وُصفت بالخطيرة.
ونُقل عدد من المصابين إلى مستشفى ثابت ثابت الحكومي في طولكرم ومستشفى رفيديا في نابلس. ولم يقتصر الهجوم على الاعتداء على الفلسطينيين من أبناء برقة وبزاريا، بل شمل عرقلة سيارات الإسعاف والاعتداء على المسعفين ومحاولة منعهم من تقديم الإسعافات اللازمة للمصابين.
وتعاملت طواقم الهلال الأحمر مع إصابات ناجمة عن الضرب بأعقاب البنادق والآلات الحادة، وكان بين المصابين امرأة فلسطينية ومزارعون كبار في السن، بينهم مسن يبلغ من العمر 81 عامًا ومسنة تبلغ 72 عامًا.
وفي اعتداء إرهابي آخر، استشهد الفلسطيني مشهور شاهر محمد ياسين (51 عامًا)، من بلدة ياسوف شرق سلفيت، جراء إصابته بالرصاص الحي خلال هجوم نفذه عشرات المستوطنين من مستوطنة “حفات أنطون” على منطقة “النصبة” شرق البلدة، بحماية قوات الاحتلال.
وهاجم المستوطنون البلدة، وتحديدًا حارة النصبة شرقًا، واعتدوا على المنازل، ما أدى إلى إصابة ياسين خلال الهجوم قبل أن يُعلن عن استشهاده، فيما أُصيب ابن شقيقه بشظايا رصاص في الظهر.
وامتدت اعتداءات المستوطنين وأعمالهم الإرهابية إلى بلدات وقرى في عدد من المحافظات، بدءًا من “برقة” و”عقربا” و”بيت أمرين” و”سبسطية” و”بورين” و”بيتا” و”جماعين” و”عوريف” و”عصيرة القبلية” و”قريوت” و”جالود” و”بيت فوريك” و”دير شرف” في نابلس، مرورًا بالمزرعة الشرقية والمغير و”أم صفا” و”رنتيس” و”سنجل” و”ترمسعيا” و”عين يبرود” في رام الله والبيرة، وصولًا إلى “كفر راعي” و”فقوعة” و”دير أبو ضعيف” و”يعبد” في جنين، و”دير بلوط” و”رافات” و”الزاوية” و”دير استيا” و”حارس” في سلفيت، و”تقوع” و”نحالين” و”الخضر” و”بتير” و”حوسان” في بيت لحم، وغيرها من البلدات والقرى في بقية المحافظات.
وطالت هذه الاعتداءات الفلسطينيين بالضرب، والحقول بالحرق، والأشجار بالاقتلاع والقطع، والمحاصيل بالسرقة.
وأكد التقرير أن المسألة لا تتعلق فقط بعنف المستوطنين وإرهابهم، بل بالسياسة العامة لدولة الاحتلال التي تشجع هذه الاعتداءات وتوفر الحماية لمنفذيها، معتبرًا أن الهدف المركزي لهذه السياسة يتمثل في حرمان المزارع الفلسطيني من محصوله وتجريده من حقوقه في أرضه.
وأوضح أنه لا يوجد قرار رسمي صادر عن جيش الاحتلال بمنع قطاف الزيتون بشكل كامل خلال موسم 2026، إلا أن قوات الاحتلال والمستوطنين يفرضون منعًا ميدانيًا واعتداءات واسعة تحرم المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، من خلال القيود المشددة والعراقيل والأوامر العسكرية غير المعلنة أو الطارئة، التي تجعل الوصول إلى أشجار الزيتون عملية بالغة الخطورة.
وأضاف أن جيش الاحتلال يصدر أوامر إغلاق يصفها بأنها “وقائية”، بذريعة منع الاحتكاك وحماية الفلسطينيين من هجمات المستوطنين خلال موسم القطاف، لكنها تؤدي عمليًا إلى منع المزارعين والنشطاء من الوصول إلى حقول الزيتون.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY