شهدت مدن عدة في أميركا اللاتينية، خلال الأيام الماضية، مسيرات وتحركات شعبية ونقابية وأكاديمية تضامناً مع الشعب الفلسطيني، ضمن موجة دولية من الفعاليات بلغت ذروتها السبت 10 تشرين الأول/أكتوبر، وامتدت من المكسيك شمالاً إلى تشيلي والأوروغواي والبرازيل ودول أخرى في أميركا الجنوبية.
وجاءت التحركات ضمن حملة دولية أطلقها “التحالف العالمي من أجل فلسطين” خلال الفترة من 9 إلى 11 تشرين الأول/أكتوبر، بمشاركة أكثر من 200 منظمة في أكثر من 60 دولة، تضم حركات شعبية واتحادات عمالية وطلابية ومنظمات حقوقية ومؤسسات مجتمع مدني، بحسب بيانات التحالف.
ورفع القائمون على الحملة مطالب تتعلق بوقف تسليح إسرائيل، وتعزيز آليات المساءلة عن انتهاكات القانون الدولي، والضغط على الحكومات والمؤسسات الدولية لاتخاذ إجراءات تتعلق بالعلاقات التجارية والعسكرية معها، إلى جانب تنظيم مسيرات واعتصامات وأنشطة جامعية وثقافية متزامنة في عشرات المدن.
المكسيك.. مسيرة في قلب العاصمة
وفي المكسيك، شارك مئات الأشخاص، السبت، في مسيرة وسط العاصمة مكسيكو سيتي، انطلقت من نصب ملاك الاستقلال باتجاه ما تطلق عليه منظمات التضامن اسم “ساحة فلسطين الحرة”، بمشاركة مجموعات اجتماعية ونقابية وطلابية وحقوقية.
وتقدمت سفيرة السلطة الفلسطينية لدى المكسيك نادية رشيد جانباً من المسيرة، التي اختتمت بتجمع في منطقة “هيميسيكْلو آ خواريز”، فيما رفع المشاركون الأعلام الفلسطينية ورددوا شعارات داعمة للفلسطينيين ومطالبة بوقف الحرب على قطاع غزة.
كما شهدت مناطق أخرى في المكسيك تحركات مرتبطة بالقضية الفلسطينية، ضمن مشاركة مكسيكية تعد من أبرز مظاهر التعبئة اللاتينية في يوم العمل العالمي.
آلاف في شوارع سانتياغو
وفي تشيلي، خرج آلاف المتظاهرين في وسط العاصمة سانتياغو، السبت، استجابة لدعوات أطلقتها منظمات طلابية ونقابية وحقوقية للتضامن مع الشعب الفلسطيني.
وانطلقت المسيرة من منطقة محطة “يونيفرسيداد كاتوليكا”، وسارت على امتداد شارع ألاميدا الرئيسي قبل أن تنتهي في منطقة “لوس هيرويز”، بمشاركة مجموعات جامعية واجتماعية ومنظمات حقوقية.
ووثقت وسائل إعلام تشيلية المسيرة بسلسلة من الصور التي أظهرت حشوداً كبيرة وأعلاماً فلسطينية ولافتات تنتقد العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة.
الأوروغواي.. حراك يسبق يوم التعبئة
وسبقت يوم العمل العالمي مسيرة كبيرة في الأوروغواي، حيث خرج آلاف الأشخاص مساء الخميس 8 تشرين الأول/أكتوبر في العاصمة مونتيفيديو، تحت شعار “فلسطين حرة أو البربرية”، بدعوة من “تنسيقية فلسطين”.
وانطلقت المسيرة من أمام مقر بلدية مونتيفيديو، ومرت عبر شارع “18 دي خوليو” وصولاً إلى ساحة الاستقلال، فيما شهدت مدن أخرى داخل البلاد دعوات وفعاليات مماثلة خلال الفترة من 7 إلى 10 تشرين الأول/أكتوبر.
وشملت مطالب المتظاهرين اتخاذ الحكومة الأوروغوايانية خطوات أكثر تشدداً تجاه “إسرائيل”، فيما أثار توقيت المسيرة سجالاً سياسياً واعتراضات من مؤسسات يهودية محلية بسبب قربها من ذكرى هجمات السابع من أكتوبر 2023، وهو ما عكس اتساع الجدل الداخلي بشأن الحرب ومواقف البلاد منها.
البرازيل.. النقابات والقطاع الصحي يدخلان على خط التحركات
وفي البرازيل، برزت ساو باولو ضمن المدن المشاركة في التعبئة، مع الدعوة إلى تجمع في ساحة روزفلت، بالتوازي مع انخراط منظمات اجتماعية ونقابية ومجموعات متضامنة مع فلسطين.
وكان من أبرز التطورات إعلان المركزية الموحدة للعمال في البرازيل “CUT” مشاركة “كتلة القطاع الصحي” في التحركات، ضمن حملة للمطالبة بالإفراج عن مدير مستشفى كمال عدوان في شمال غزة، الطبيب حسام أبو صفية، وغيره من العاملين الصحيين الفلسطينيين المحتجزين، والدعوة إلى حماية المستشفيات والطواقم الطبية.
وقالت المركزية النقابية إن التحركات جمعت عمالاً وطلاباً ومنظمات اجتماعية للدفاع عن العاملين في القطاع الصحي الفلسطيني وحقوق الإنسان، وربطت مشاركتها بالنقاشات الدولية بشأن حماية الطواقم الطبية خلال النزاعات المسلحة.
وتكتسب مشاركة “CUT” أهمية بالنظر إلى ثقلها في الحركة النقابية البرازيلية، إذ تمثل شبكة واسعة من النقابات والاتحادات العمالية في مختلف القطاعات، ما يوسع دائرة التضامن مع فلسطين خارج نطاق الحركات السياسية والطلابية التقليدية.
ومن جهته، قال محمد القادري، عضو ومؤسس جبهة الدفاع عن الشعب الفلسطيني في ساو باولو، إن أهمية المظاهرات التي تشهدها البرازيل ودول أخرى في أميركا اللاتينية تكمن في تحويل التضامن مع فلسطين من رد فعل مرتبط بحدث آني إلى “عملية توعية مستمرة” بالمجتمع الفلسطيني وتاريخه وما يجري في الأراضي الفلسطينية.
وأضاف القادري، في تصريحات لـ”قدس برس”، أن فعاليات مماثلة نُظمت في عدد من الولايات والمدن البرازيلية، معتبراً أن توسيع قاعدة المشاركين فيها يساعد على تعريف قطاعات أوسع من المجتمع البرازيلي واللاتيني بالقضية الفلسطينية وتطوراتها التاريخية والسياسية.
وأشار إلى أن دخول النقابات العمالية والعاملين في القطاع الصحي على خط هذه التحركات يمنحها زخماً إضافياً، لافتاً إلى الحملة المطالبة بالإفراج عن الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية، ومعتبراً أن انخراط الأطباء والعاملين الصحيين يسلط الضوء بصورة خاصة على أوضاع الطواقم والمنشآت الطبية الفلسطينية.
وقال القادري إن مشاركة النقابات في الحملة تساهم، من وجهة نظره، في نقل القضية من دائرة النشاط السياسي التقليدي إلى قطاعات مهنية واجتماعية أكثر اتساعاً، خصوصاً في ظل التقارير المتعلقة باعتقال عاملين صحيين ومقتل وإصابة طواقم طبية خلال الحرب على غزة.
وفي حديثه عن التأثير السياسي لهذه التحركات، رأى القادري أن استمرار المظاهرات والحملات النقابية يمكن أن يشكل وسيلة ضغط على الحكومة البرازيلية وغيرها من حكومات أميركا اللاتينية لاتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه إسرائيل.
وأضاف أن الموقف الذي تبناه الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا تجاه الحرب على غزة، واستخدامه توصيف “الإبادة الجماعية”، منح حركات التضامن مساحة سياسية أكبر للمطالبة بإجراءات عملية تتجاوز التصريحات.
وحول أبرز مطالب الحركات المتضامنة مع فلسطين في البرازيل، قال القادري إن بينها الضغط من أجل قطع أو تقليص العلاقات التجارية والثقافية والاتفاقيات ومختلف أشكال التعاون مع إسرائيل، إلى جانب دعم إقامة دولة فلسطينية وتعزيز التحرك البرازيلي في المحافل الدولية.
وأضاف أن تحويل التضامن في الشارع إلى نتائج سياسية ملموسة يرتبط، بحسب تقديره، أيضاً بموازين القوى الداخلية في البرازيل، ولا سيما مع اقتراب الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية المقررة في 25 تشرين الأول/أكتوبر.
ورأى القادري أن حركة التضامن مع فلسطين آخذة في الاتساع في أميركا اللاتينية، رابطاً ذلك أيضاً بالصراع السياسي المتزايد حول توجهات حكومات المنطقة وعلاقاتها بالولايات المتحدة وإسرائيل.
واتهم القادري جهات إسرائيلية بمحاولة التأثير في المشهد السياسي والانتخابي في عدد من دول أميركا اللاتينية، بما فيها البرازيل، كما أشار إلى مزاعم بشأن تدخلات أو مخالفات انتخابية في دول أخرى في المنطقة؛ وهي اتهامات تبقى منسوبة إليه ولم يقدم في تصريحاته أدلة مستقلة تثبتها.
وقال إن القضية الفلسطينية باتت، بالنسبة إلى قطاعات من الحركات الشعبية اللاتينية، مرتبطة كذلك بقضايا السيادة الوطنية ورفض التدخل الخارجي، معرباً عن أمله في أن تسهم نتائج الانتخابات البرازيلية المقبلة في دفع الحكومة إلى اتخاذ مواقف أكثر تشدداً حيال الحرب على غزة.
بيرو تلتحق بالموجة الإقليمية
وفي بيرو، أعلنت اتحادات طلابية ومنظمات حقوقية ومجموعات تضامن مشاركتها في التحرك العالمي، من بينها اتحاد طلبة الجامعة البابوية الكاثوليكية في بيرو ومجموعة “فلسطين حرة – بيرو” ومجموعات من جامعة سان ماركوس.
ودعت المنظمات إلى تحرك في العاصمة ليما ضمن يوم التعبئة العالمي، مطالبة الحكومة باتخاذ مواقف أكثر وضوحاً تجاه الحرب على غزة والعلاقات مع “إسرائيل”.
تضامن يتجاوز المظاهرات
ويكشف اتساع المشاركة من المكسيك إلى تشيلي والبرازيل والأوروغواي عن تحول التضامن مع فلسطين في أميركا اللاتينية إلى شبكة متعددة المستويات، لا تقتصر على المسيرات الشعبية، بل تشمل النقابات والجامعات والقطاع الصحي والمؤسسات الثقافية والحركات الحقوقية.
ويعكس التنوع في طبيعة المشاركين استمرار حضور القضية الفلسطينية في المجال العام اللاتيني الأميركي بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب على قطاع غزة، مع انتقال جانب من الحراك من المطالبة بوقف العمليات العسكرية إلى الضغط من أجل إجراءات سياسية واقتصادية وقانونية أكثر تحديداً.
وبينما لم يصدر حتى الأحد إحصاء موحد لأعداد المشاركين عالمياً، يؤكد التحالف العالمي من أجل فلسطين أن حملة أكتوبر جمعت أكثر من 200 منظمة في أكثر من 60 دولة، في محاولة لتحويل التحركات المتزامنة في الشوارع والجامعات والنقابات إلى ضغط سياسي منظم بشأن فلسطين.
وتأتي الحادثة في ظل استقطاب سياسي متزايد في البرازيل بشأن العلاقة مع “إسرائيل” والحرب على قطاع غزة، بالتزامن مع دخول البلاد مرحلة حاسمة من الانتخابات الرئاسية.
وكان السيناتور فلافيو بولسونارو، المعروف بمواقفه الداعمة لإسرائيل وتقاربه مع حكومة بنيامين نتنياهو، قد تصدر الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي جرت الأحد الماضي، بحصوله على 47.03 بالمئة من الأصوات الصحيحة، مقابل 45.16 بالمئة للرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ليتأهل الاثنان إلى جولة الإعادة المقررة في 25 تشرين الأول/أكتوبر الجاري.
وكان بولسونارو قد أعلن خلال حملته الانتخابية عزمه على توثيق العلاقات مع إسرائيل، في مقابل المواقف التي اتخذتها حكومة لولا والمنتقدة بشدة للسياسات الإسرائيلية خلال الحرب على قطاع غزة.
وعقب إعلان نتائج الجولة الأولى، هنأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فلافيو بولسونارو على تقدمه في السباق، وأعلن دعمه له في جولة الإعادة، معرباً عن أمله في استعادة مستوى أقوى من العلاقات بين البرازيل و”إسرائيل”.
ويعكس ذلك اتساع الفجوة بين المعسكرين المتنافسين في السياسة الخارجية، إذ ترتبط حكومة لولا بعلاقات متوترة مع حكومة نتنياهو على خلفية الحرب على غزة، بينما يقدم فلافيو بولسونارو نفسه باعتباره مؤيداً لإعادة التقارب السياسي والدبلوماسي مع إسرائيل.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY