Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

مراقبون: رد آيسلندا على نتنياهو يضع المجتمع الدولي أمام اختبار قانوني وأخلاقي

أثارت كلمة وزيرة خارجية آيسلندا كاترين غونارسدوتير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما تضمنته من انتقادات لتجاهل القانون الدولي والدعوة إلى حماية المدنيين ورفض استخدام المساعدات الإنسانية بديلاً عن الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني، ردود فعل واسعة، أشادت بوضوح الموقف الآيسلندي في مواجهة تداعيات الحرب على غزة والاحتلال والاستيطان في الأراضي الفلسطينية.

القانون الدولي في قلب الموقف الآيسلندي

وقال الكاتب والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين، إن الموقف الذي عبرت عنه غونارسدوتير في الأمم المتحدة “ليس خطاباً دبلوماسياً عابراً يضاف إلى أرشيف التصريحات”، وإنما يمثل، بحسب تقديره، “صدعاً في جدار الصمت الدولي، وتعبيراً صارخاً عن عودة القانون الدولي إلى قلب النقاش السياسي بعد أن حاولت آلة الحرب وموازين القوة دفنه أو تحييده”.

وأضاف شاهين في حديث لـ”قدس برس”، أن الوزيرة أكدت أن تجاهل القانون الدولي “لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل ينسف شرعية النظام الدولي برمته، ويفتح الباب على منطق الغاب”.

وأشار إلى أن “اللافت في الخطاب الآيسلندي هو عدم التعامل مع مأساة غزة باعتبارها ملفاً إنسانياً منفصلاً عن جذور الصراع، بل الربط بين الإغاثة والسلام والحقوق السياسية للشعب الفلسطيني”، معتبراً أن “هذه المقاربة تنسجم مع جوهر القانون الدولي، الذي لا يجعل المساعدات الإنسانية بديلاً عن الحقوق، ولا يحول إعادة الإعمار إلى غطاء لإعادة إنتاج الأزمة”.

ورأى شاهين أن “حديث وزيرة خارجية دولة بحجم آيسلندا، بهذه الصراحة، عن ضرورة التفاوض ورفض تحويل المدنيين إلى رهائن للسياسات والحسابات الجيوسياسية، يضع المجتمع الدولي أمام اختبار قانوني وأخلاقي”.

وقال “إن الدبلوماسية لا تفقد قيمتها حين تقول الحقيقة، بل تفقد معناها وروحها حين تتحول إلى لغة ملساء تتستر على عجز الإرادة السياسية عن حماية الإنسان”.

ولفت إلى أن “الموقف الآيسلندي من القضية الفلسطينية يكتسب أهمية خاصة”، مشيراً إلى “اعتراف ريكيافيك (عاصمة آيسلندا) بدولة فلسطين عام 2011، واستمرارها في تأكيد دعم حل الدولتين وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، فضلاً عن إعلان آيسلندا في عام 2026 تدخلها في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بموجب المادة 63 من النظام الأساسي للمحكمة”.

واعتبر شاهين أن “أهمية هذا الموقف تكمن في نقل القضية من مساحة التجاذب السياسي إلى إطار المسؤولية القانونية الدولية”، موضحاً أن “قضايا الاحتلال والاستيطان والتهجير وحماية المدنيين ووصول المساعدات ترتبط بقواعد القانون الدولي الإنساني والتزامات الدول بموجب المواثيق والاتفاقيات الدولية”.

كما أشار إلى أن “حديث الوزيرة عن الضفة الغربية والاستيطان وعنف المستوطنين يلفت إلى خطورة التعامل مع الاحتلال باعتباره وضعاً مؤقتاً يمكن تجميده عبر مفاوضات مفتوحة زمنياً، قائلاً إن استمرار تغيير الوقائع على الأرض يقوض الأساس الإقليمي والسياسي لأي تسوية”.

وأضاف أن “آيسلندا لا تطرح القضية الفلسطينية باعتبارها استثناءً أخلاقياً في النظام الدولي، وإنما تضعها ضمن أزمة أوسع تتصل بتراجع احترام القانون الدولي وتآكل الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف”، مشيراً إلى “مواقف آيسلندا في الأمم المتحدة بشأن احترام أحكام وآراء محكمة العدل الدولية ودور مؤسسات العدالة الدولية”.

وقال شاهين إن “قيمة الموقف الآيسلندي لا تكمن في ارتفاع نبرة الخطاب وحده، وإنما في وضوح مرجعيته”، مضيفاً أن “الدفاع عن التفاوض وحماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية واحترام القانون الدولي وحق الفلسطينيين في تقرير المصير يمثل، من وجهة نظره، جزءاً من استعادة دور الشرعية الدولية”.

وختم بالقول، إن “السلام العادل لا يولد من الصمت على الظلم ولا من مجاملة القوة، وإنما من شجاعة تسمية الأشياء بأسمائها ومن وضع القانون فوق اعتبارات القوة”، داعياً المجتمع الدولي إلى “الانتقال من بيانات الإدانة إلى خطوات عملية تشمل وقف إطلاق النار، ورفع القيود عن المساعدات، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ودعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير”.

توبيخ لاذع

وفي السياق ذاته، وصف مدير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان (مستقلة مقرها جنيف) رامي عبده، رد الوزيرة على رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بأنه “توبيخ لاذع”، معتبراً أنه “من أبرز الردود على خطابه حتى الآن”.

من جهته، قال عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين زاهر أبو حسين إن وزيرة خارجية آيسلندا “قدمت رداً حاسماً على وصف نتنياهو للوفود التي غادرت القاعة أثناء كلمته بـ(الجبناء أخلاقياً).

ونقل أبو حسين عن غونارسدوتير تأكيدها أن “الجبن الأخلاقي هو منع المساعدات الإنسانية عمن هم في أمس الحاجة إليها، ومواصلة انتهاك القانون الدولي وعدم احترامه”، مضيفاً أن “مغادرة القاعة احتجاجاً ليست موضع العار، وإنما تجويع البشر ثم اعتلاء المنبر لإعطاء العالم دروساً في الأخلاق”.

بدوره، أشاد الكاتب والإعلامي حمد الصواعي بحدة الرد الآيسلندي، واصفاً إياه بأنه “قوي وجريء”، وقال إنه يمثل “توبيخاً لاذعاً لرئيس حكومة الاحتلال”، معتبراً أنه “من أقوى الردود التي صدرت حتى الآن على خطابه”.

وشهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، الخميس الماضي، مشهداً لافتاً خلال كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعدما غادر ممثلو عدد من الوفود الدبلوماسية قاعة الاجتماع احتجاجاً على خطابه، في خطوة عكست حجم الاعتراض الدولي على سياسات الاحتلال والحرب على غزة.

وأثارت مغادرة الوفود حفيظة نتنياهو، الذي هاجم المنسحبين واصفاً إياهم بـ«الجبناء أخلاقياً»، في تصريحات أثارت تفاعلاً واسعاً، ولا سيما على المنصات الإعلامية والرقمية.

وفي المقابل، جاء رد وزيرة خارجية آيسلندا كاترين غونارسدوتير من المنبر الأممي ذاته، إذ رفضت توصيف نتنياهو للوفود المنسحبة، وقالت إن «الجبناء أخلاقياً» هم القادة الذين ينتهكون القانون الدولي مراراً ولا يحترمونه.

ولم يتوقف موقف الوزيرة عند الرد على نتنياهو، إذ اتخذت كلمتها منحى أوسع، تناول احترام القانون الدولي، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، إلى جانب ضرورة معالجة جذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وعدم اختزال القضية في بعدها الإنساني وحده.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY