Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

مختصون لـ”قدس برس”: نتائج القوائم العربية يضعها في قلب حسابات تشكيل الحكومة

سجّل الفلسطينيون من مواطني الداخل المحتل مشاركة مرتفعة في انتخابات الكنيست (برلمان الاحتلال)، التي جرت الثلاثاء، 27 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، في تحول لافت أعاد الأحزاب العربية إلى صلب الحسابات السياسية المتعلقة بتشكيل الحكومة المقبلة، وسط انقسام بشأن دلالات هذه المشاركة وحدود قدرتها على إحداث تغيير على المستويين السياسي والمعيشي.

وقدّرت تقارير إعلامية نسبة التصويت بين الناخبين العرب بنحو 80 بالمئة، بالتزامن مع ارتفاع نسبة المشاركة العامة في الانتخابات إلى 77.7 بالمئة، وفق الأرقام المعلنة عن لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية.

وأظهرت النتائج المرحلية تقدم القوائم العربية إلى نحو 19 مقعدًا من أصل 120 في الكنيست، مقارنة بعشرة مقاعد تشغلها في الكنيست المنتهية ولايته، في حال استقرت النتائج عند هذه الأرقام.

وجاء هذا الإقبال في ظل منافسة حادة بين معسكر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ومعسكر المعارضة بقيادة “غادي آيزنكوت”، من دون أن يتمكن أي منهما من حصد الأغلبية المطلوبة، البالغة 61 مقعدًا، الأمر الذي عزز أهمية الموقف الذي ستتخذه القوائم العربية خلال مشاورات تشكيل الحكومة.

ولا يقتصر النقاش المثار حول المشاركة على حجم التمثيل البرلماني، بل يمتد إلى دوافع الناخبين والآمال المعقودة على معالجة قضايا المجتمع العربي، وفي مقدمتها الجريمة والعنف والتمييز وتوزيع الميزانيات، فضلًا عن الجدل بشأن جدوى المشاركة في الكنيست وقدرتها على إحداث تغيير سياسي أوسع.

إقبال مرتفع ودلالات تتجاوز عدد المقاعد

يرى المحلل السياسي علي الأعور أن المشاركة العربية تمثل عاملًا مؤثرًا في تحديد موازين القوى داخل الكنيست، وأن ارتفاع نسبة التصويت ينعكس على حجم التمثيل الذي تحققه القوائم العربية، وعلى حسابات الأحزاب الإسرائيلية الساعية إلى تشكيل الحكومة.

وكان الأعور قد أشار، استنادًا إلى استطلاعات الرأي التي تابعها قبل الانتخابات، إلى إمكانية حصول الأحزاب العربية مجتمعة على ما بين 15 و17 مقعدًا. لكن النتائج المرحلية تجاوزت تلك التقديرات، إذ ارتفع مجموع مقاعد القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة إلى نحو 19 مقعدًا، وفق الأرقام المتاحة حتى الآن.

ويشير الأعور إلى أن دوافع التصويت لا تنفصل عن الأوضاع التي يعيشها الفلسطينيون في الداخل، وفي مقدمتها تصاعد الجريمة والعنف، والمطالب بتحسين الخدمات وزيادة الميزانيات، وتوفير فرص العمل، وتعزيز المساواة في الحقوق والفرص.

ومن هذا المنطلق، لا تتوقف دلالة الإقبال المرتفع عند تعزيز حضور الأحزاب العربية داخل البرلمان، بل تشمل أيضًا حجم التوقعات التي يحملها الناخبون إزاء قدرتها على تحويل التمثيل العددي إلى إنجازات ملموسة تنعكس على حياتهم اليومية.

كما قد يعكس الإقبال رغبة قطاعات من الناخبين في التأثير في هوية الحكومة المقبلة، ولا سيما في ظل معارضة قطاعات واسعة من المجتمع العربي لسياسات حكومة نتنياهو والوزراء المحسوبين على التيار اليميني المتشدد.

حسابات تشكيل الحكومة

من جهته، قال الصحفي المتخصص بالشؤون الإسرائيلية فارس الصرفندي إن المشهد السياسي لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، وإن تحديد هوية الحكومة المقبلة لا يتوقف على الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد، بل يرتبط بقدرة المعسكرات المختلفة على حشد الدعم البرلماني اللازم.

وأوضح الصرفندي أن النتائج المرحلية لا تمنح معسكر نتنياهو ولا معسكر المعارضة أغلبية الـ61 مقعدًا، ما يجعل موقف الأحزاب العربية عنصرًا محوريًا في المشاورات المقبلة.

وأشار إلى أن أحد الأسئلة الأساسية يتمثل في الجهة التي ستوصي القوائم العربية رئيس الدولة بتكليفها تشكيل الحكومة، مرجحًا أن تتجه إلى دعم تكليف “آيزنكوت”، مع بقاء القرار مرتبطًا بتطور النتائج والمواقف السياسية.

لكن الصرفندي شدد على ضرورة التمييز بين التوصية بمرشح لتشكيل الحكومة والمشاركة في ائتلافه؛ فدعم مرشح خلال المشاورات لا يعني بالضرورة دخول الأحزاب العربية الحكومة أو توليها حقائب وزارية.

وتضع هذه المعادلة القوائم العربية أمام خيارات متعددة، تبدأ بدعم حكومة معارضة من خارج الائتلاف، وقد تصل إلى تفاهمات برلمانية بشأن ملفات محددة، فيما تظل المشاركة الرسمية في الحكومة مرتبطة بمواقف الأحزاب وشروطها، ومدى استعداد القوى الصهيونية لقبولها شريكًا سياسيًا.

اختبار لمواقف المعارضة

تبرز أهمية التمثيل العربي في ظل الأرقام المرحلية التي تمنح معسكر نتنياهو 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا لمعسكر المعارضة، فيما تملك القوائم العربية مجتمعة نحو 19 مقعدًا. وبذلك، لا يستطيع أي من المعسكرين بلوغ الأغلبية المطلوبة بمقاعده الحالية وحدها.

وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة سياسية؛ إذ قد تجد المعارضة، التي أعلنت أطراف منها رفض التعاون مع الأحزاب العربية، نفسها مضطرة إلى البحث عن شكل من أشكال الدعم العربي إذا أرادت تغيير الحكومة.

وتبرز هنا خصوصية موقفي القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس والقائمة المشتركة، إذ تختلف حساباتهما ومواقفهما بشأن طبيعة التعاون الممكن مع الأحزاب الصهيونية، وحدود المشاركة في الحكومة أو الاكتفاء بدعمها من الخارج.

وقد أبدت القائمة العربية الموحدة انفتاحًا على الانضمام إلى ائتلاف بديل، في حين أبدت القائمة المشتركة استعدادًا للتعاون من خارج الحكومة، مع استمرار الخلاف بشأن المواقف الإسرائيلية من الحرب والسياسات الإقليمية. وفي المقابل، أعلنت أطراف في معسكر المعارضة تحفظها على تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية.

ومن ثم، فإن زيادة المقاعد العربية تمنح هذه الأحزاب وزنًا تفاوضيًا أكبر في الحسابات البرلمانية، لكنها لا تضمن وحدها ترجمة ذلك إلى مشاركة في الحكم أو إحداث تغيير في السياسات الإسرائيلية.

مسؤولية النتائج

وفي قراءة نقدية للمشاركة، عبّرت الناشطة ماريا محاجنة عن ارتياحها لارتفاع نسبة التصويت العربية، رغم رفضها المبدئي لمشروع المشاركة في انتخابات الكنيست.

وقالت إن الإقبال المرتفع يضع الأحزاب العربية أمام مسؤولية إثبات صدقية الوعود التي قدمتها للناخبين، ويحدّ من إمكانية تحميل المقاطعين مسؤولية الإخفاقات السياسية أو المعيشية مستقبلًا.

وترى محاجنة أن ارتفاع المشاركة يوفر فرصة لاختبار الخطاب الذي استخدمته الأحزاب لحث الجمهور على التصويت، ولا سيما الشعارات التي ربطت صوت الناخب بإمكانية التأثير في النتائج، أو اعتبرت المشاركة وسيلة لإسقاط الحكومة الحالية.

كما شككت في اعتبار الإقبال دليلًا تلقائيًا على الوعي أو النضج السياسي، معتبرة أن الحكم على جدوى المشاركة ينبغي أن يستند إلى ما ستكشف عنه التجربة والنتائج الفعلية، لا إلى حجم التصويت وحده.

وأكدت محاجنة احترامها خيار المشاركين، لكنها رأت أن زيادة عدد المقاعد العربية لا تغيّر بالضرورة ثوابت النظام السياسي الإسرائيلي، وأن التجربة البرلمانية ستظل بحاجة إلى تقييم في ضوء ما يمكن تحقيقه فعليًا.

ويعكس هذا الموقف جانبًا من الجدل داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل بين من يرى في المشاركة أداة للتأثير، ومن يعتبرها مسارًا محدود القدرة على تغيير طبيعة النظام السياسي أو السياسات المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

المطالب المعيشية والرهانات السياسية

تتداخل في تقييم المشاركة العربية اعتبارات معيشية مباشرة مع رهانات سياسية أوسع. فمن جهة، ينتظر الناخبون من ممثليهم العمل على مواجهة الجريمة والعنف، وتحسين الخدمات، وزيادة الميزانيات، وتوفير فرص العمل، وتعزيز المساواة. ومن جهة أخرى، يربط بعضهم أهمية المشاركة بقدرتها على التأثير في الحكومة وسياساتها تجاه الفلسطينيين.

لكن هذه التوقعات تصطدم بواقع سياسي لا تتحكم فيه المقاعد العربية وحدها؛ فالتأثير في تشكيل الحكومة يتطلب تفاهمات مع أحزاب إسرائيلية تختلف معها في قضايا جوهرية، كما أن الحصول على دعم برلماني لا يضمن بالضرورة تغيير السياسات أو تحقيق جميع المطالب.

ومن هنا، لا يقتصر التحدي الذي تواجهه الأحزاب العربية على الحفاظ على حجم التمثيل الذي حققته، بل يشمل تحديد أولويات واضحة، وصياغة مطالب قابلة للمتابعة والمساءلة، وتوضيح ما يمكن تحقيقه من خلال العمل البرلماني وما يتطلب أدوات أخرى من العمل السياسي والمجتمعي.

الإقبال بداية اختبار لا نهايته

تضع المشاركة المرتفعة والتمثيل العربي المتقدم الأحزاب العربية أمام اختبار سياسي يتجاوز ليلة الانتخابات؛ فالجمهور الذي توجه إلى صناديق الاقتراع ينتظر أن يرى أثرًا ملموسًا لصوته، سواء في تحسين ظروف الحياة داخل البلدات العربية أو في التأثير في المشهد السياسي العام.

وفي المقابل، ستواجه قوى المعارضة الإسرائيلية اختبارًا يتعلق بمدى استعدادها للتعامل مع الوزن البرلماني العربي، بعدما أصبحت حسابات تشكيل الحكومة أكثر ارتباطًا بمواقف القوائم العربية، رغم استمرار التحفظات على إشراكها في الحكم.

وبين الرهان على التأثير والتحفظ على جدوى المشاركة، تبرز النتيجة الأوضح حتى الآن في الحضور القوي للصوت العربي في الحسابات البرلمانية، فيما يظل حجم التحول الذي يمكن أن يحققه مرهونًا بمسار المفاوضات، وطبيعة التحالفات التي ستنشأ، وقدرة الأحزاب على تحويل الوعود الانتخابية إلى نتائج قابلة للقياس والمحاسبة.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY