أكد مختصان في الشؤون الإسرائيلية والاستيطان أن التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، نفتالي بينيت، بشأن تراجع ما وصفه بـ”المعضلة الديمغرافية”، تعكس حجم القلق الذي تعيشه المؤسسة السياسية الإسرائيلية إزاء التوازن السكاني مع الفلسطينيين، معتبرين أن تصاعد الاستيطان وسياسات التهجير في الضفة الغربية يأتيان في إطار محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض لمواجهة هذا التحدي.
وكان بينيت قد قال، خلال مؤتمر لـ”معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي” الأسبوع الماضي، إن الكيان تمكن من حل المعضلة الديمغرافية، إذ قال ردًا على سؤال حول تساوي أعداد الفلسطينيين والمستوطنين اليهود في فلسطين التاريخية: “لن أيأس من دولة إسرائيل لأن المسلمين ينجبون أطفالًا أكثر. في الماضي كانت خصوبة المرأة العربية 8 مواليد مقابل 2 للمرأة اليهودية، واليوم باتت خصوبة المرأة اليهودية أعلى، إذ أصبحت 3.1 للمرأة اليهودية مقابل 2.9 للمرأة العربية. ليست لدينا مشكلة ديمغرافية”.
وقال المختص في الشؤون الإسرائيلية، منصور عبد الحميد، في حديث لـ”قدس برس” اليوم الثلاثاء، إن الملف الديمغرافي ظل لعقود أحد أبرز التحديات التي واجهت المشروع “الصهيوني”، موضحًا أن تصريحات بينيت جاءت في سياق محاولة طمأنة الجمهور الإسرائيلي بأن “إسرائيل” تجاوزت هذا التهديد، وهو ما لا تعكسه الوقائع بشكل كامل.
وأوضح أن بينيت استند إلى بيانات تتعلق بمعدلات الخصوبة داخل الأراضي المحتلة عام 1948 والقدس المحتلة، متجاهلًا معدلات النمو السكاني في الضفة الغربية وقطاع غزة، التي ما تزال أعلى من المعدلات الإسرائيلية، الأمر الذي يجعل الحديث عن انتهاء الأزمة الديمغرافية “قراءة سياسية أكثر منها حقيقة ديمغرافية”.
وأضاف أن الفلسطينيين واليهود يقتربون من التساوي العددي في فلسطين التاريخية، وهو ما يبقي هاجس الأغلبية السكانية حاضرًا في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، ويدفع الحكومات الإسرائيلية إلى البحث باستمرار عن وسائل للحفاظ على الطابع اليهودي للدولة.
وأشار عبد الحميد إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها الساحة المركزية لحسم هذا الصراع، عبر توسيع الاستيطان، وتشديد القيود على الفلسطينيين، وخلق ظروف تدفعهم إلى الرحيل، معتبرًا أن هذه السياسات ترتبط مباشرة بالهاجس الديمغرافي الذي يهيمن على العقل السياسي الإسرائيلي.
ولفت إلى أن ارتفاع معدل الإنجاب في المجتمع اليهودي يرتبط بدرجة كبيرة بزيادة أعداد “الحريديم”، الذين يتميزون بارتفاع معدلات الخصوبة، إلا أن ذلك يخلق، في المقابل، أزمة داخلية متفاقمة بسبب رفض شريحة واسعة منهم أداء الخدمة العسكرية، الأمر الذي أصبح محل خلاف سياسي واجتماعي داخل “إسرائيل”.
ومن جهته، قال الناشط في رصد الاستيطان، رائد موقدي، إن التوسع الاستيطاني المتسارع في الضفة الغربية لا يمكن فصله عن محاولات تغيير الميزان الديمغرافي على الأرض، مشيرًا إلى أن الاحتلال يعمل على فرض وقائع جديدة من خلال السيطرة على الأراضي، وإقامة البؤر الاستيطانية، وشق الطرق العسكرية، بما يحد من التوسع العمراني الفلسطيني.
وأوضح أن ما تشهده الضفة الغربية من تصاعد في عمليات الاستيلاء على الأراضي، وإقامة البؤر الاستيطانية الجديدة، وتهجير التجمعات الفلسطينية، ولا سيما في الأغوار و”مسافر يطا” ومناطق جنوب نابلس، يندرج ضمن سياسة تستهدف تقليص الوجود الفلسطيني وتعزيز الحضور الاستيطاني.
وأضاف أن هذه الإجراءات لا تقتصر على التوسع الجغرافي، بل تهدف أيضًا إلى خلق بيئة معيشية طاردة للفلسطينيين، من خلال التضييق على الزراعة والرعي، وفرض القيود على الحركة، ومنع البناء، بما يدفع السكان إلى مغادرة أراضيهم بصورة تدريجية.
وأكد موقدي أن الخطاب الإسرائيلي الذي يتحدث عن “انتهاء المشكلة الديمغرافية” يتناقض مع حجم الاستثمارات الحكومية في مشاريع الاستيطان، معتبرًا أن استمرار ضخ الموارد لتوسيع المستعمرات يكشف أن المؤسسة الإسرائيلية ما تزال تنظر إلى العامل السكاني باعتباره أحد أخطر التحديات التي تواجه مشروعها.
وأشار إلى أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تنظر إلى الضفة الغربية باعتبارها ساحة حاسمة في الصراع، ولذلك تسعى إلى تكريس السيطرة عليها من خلال الجمع بين الأدوات العسكرية والاستيطانية والديمغرافية، بهدف منع قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا.
ويرى المختصان أن تصريحات بينيت لا تعني انتهاء الجدل داخل إسرائيل حول مستقبل الصراع الديمغرافي، بل تعكس محاولة سياسية لتقديم صورة مطمئنة للرأي العام الإسرائيلي، في وقت تتواصل فيه سياسات الاستيطان والضم والتهجير، بما يؤكد أن هاجس الأغلبية السكانية الفلسطينية ما يزال حاضرًا بقوة في صناعة القرار الإسرائيلي.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY