Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

محللان لـ”قدس برس”: تأجيل الانتخابات الفلسطينية يفاقم أزمة الشرعية ويكرّس الانقسام

أثار قرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تحديد 11 أيلول/سبتمبر 2027 موعداً جديداً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن، تساؤلات بشأن مستقبل الشرعية السياسية والدستورية، وفرص تجديد التفويض الشعبي، وإمكانية إنهاء الانقسام الفلسطيني، في ظل استمرار تعطيل الاستحقاقات الانتخابية وتصاعد المخاوف من ترسيخ حالة الجمود السياسي.

وفي حديثين منفصلين لـ”قدس برس”، حذّر الكاتب والمحلل السياسي محمد شاهين من تداعيات استمرار تعطيل الانتخابات على شرعية النظام السياسي الفلسطيني ومؤسساته، داعياً إلى إعادة الاعتبار للدستور والتفويض الشعبي، فيما أثار الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون تساؤلات بشأن دلالات الموعد الجديد، محذراً من أن يؤدي القرار إلى مزيد من الفوضى، ومشدداً على ضرورة إطلاق حوار وطني حقيقي يفضي إلى تفاهمات تعيد ترتيب البيت الفلسطيني.

شاهين: تعطيل الانتخابات يفاقم الأزمة الدستورية

وقال الكاتب والمحلل السياسي محمد شاهين إن الانتخابات ليست مجرد موعد يُدرج على جدول الأعمال ثم يؤجَّل بقرار سياسي أو إداري، بل تمثل الوسيلة التي يمارس الشعب من خلالها حقه في اختيار من يحكمه، ويمنح السلطة التفويض اللازم لممارسة صلاحياتها.

وأضاف في حديث لـ”قدس برس” أن الخطر الأكبر يكمن في تحول الاستثناء إلى قاعدة، وتأجيل الاستحقاق الدستوري إلى نمط مستقر في إدارة النظام السياسي، بما يؤدي إلى إضعاف الصلة بين السلطة ومصدر شرعيتها الأصلي، المتمثل في الإرادة الشعبية.

وأوضح شاهين أن استمرار تعطيل الانتخابات يجعل الأزمة تتجاوز مسألة تحديد موعد جديد، لتطال طبيعة النظام السياسي ومدى التزامه بالقواعد الدستورية التي تنظم عمل مؤسساته وتحدد صلاحياتها ومسؤولياتها.

وأشار إلى أن هذا التعطيل يثير إشكاليات دستورية في ضوء القانون الأساسي الفلسطيني المعدل؛ إذ تنص المادة 47 على أن مدة المجلس التشريعي أربع سنوات من تاريخ انتخابه، وأن الانتخابات تُجرى بصورة دورية كل أربع سنوات، فيما تحدد المادة 36 مدة رئاسة السلطة الوطنية بأربع سنوات، قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط.

وبيّن أن هذه النصوص تؤسس لقواعد تنظيم تداول السلطة، والحيلولة دون تحول المناصب العامة إلى مواقع دائمة، لافتاً إلى أن التقييم القانوني الدقيق لوضع شاغلي المناصب القائمة يتطلب النظر في الأحكام ذات الصلة والظروف القانونية والسياسية المحيطة.

وأكد أن استمرار تعطيل الانتخابات يراكم الأزمة الدستورية، ويضعف مبدأ سيادة القانون والرقابة التشريعية والتوازن بين السلطات.

ولفت شاهين إلى أن تجربة تأجيل الانتخابات عام 2021، وما أعقبها من استمرار الانقسام الفلسطيني، تكشف أن الأزمة لا تقتصر على خلافات إجرائية أو تعقيدات تنظيمية، وإنما تمس جوهر العلاقة بين المواطن والسلطة، وبين التفويض الشعبي ومراكز النفوذ القائمة.

وأضاف أن حرمان الفلسطينيين من تجديد اختيار ممثليهم يضعف الثقة بالمؤسسات، ويجعل شرعيتها موضع جدل سياسي ومجتمعي، ويوسع الفجوة بين الشارع والقيادة، فضلاً عن تعزيز المخاوف من تقديم الحسابات الفصائلية ومصالح البقاء في السلطة على المصلحة الوطنية.

وحذّر من أن استمرار هذا المناخ قد يؤدي إلى تراجع المشاركة السياسية، واتساع مشاعر الإحباط واللامبالاة، وإضعاف الحياة الحزبية والمدنية.

وشدد شاهين على أن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني لا يمكن أن يقوم على شرعية مؤجلة أو مؤسسات تعمل بعيداً عن التجديد الشعبي، بل يتطلب مراجعة دستورية وسياسية شاملة تعيد الاعتبار إلى الانتخابات الدورية، وتضمن استقلال القضاء وفاعلية الرقابة التشريعية، وتحد من استمرار الحكم بالمراسيم في ظل غياب المساءلة السياسية الكافية.

وأكد أن استعادة الشرعية لا تبدأ بالبحث عن مخرج لتأجيل جديد، وإنما بإرادة سياسية تجعل الدستور مرجعية حاكمة، وصندوق الاقتراع طريقاً لتجديد السلطة وتوحيد المؤسسات واستعادة ثقة الشعب بمستقبله السياسي.

وختم بالقول إن الدولة المنشودة لا تستمد قوتها من بقاء مؤسساتها في مواقعها، وإنما من احترام القانون وتجدد التفويض الشعبي وتكافؤ الفرص بين القوى السياسية، محذراً من أن استمرار الجمود قد يحول الأزمة السياسية إلى أزمة ثقة شاملة في النظام السياسي الفلسطيني.

المدهون: مخاوف من تمييع الانتخابات وإطالة أمد الفوضى

من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون إن المرسوم الرئاسي الذي أصدره محمود عباس، وحدد بموجبه 11 أيلول/سبتمبر 2027 موعداً جديداً للانتخابات الرئاسية والتشريعية، يثير تساؤلات بشأن أسباب اختيار هذا التاريخ تحديداً، ولا سيما ارتباطه في الذاكرة العامة بأحداث 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة.

وأضاف المدهون لـ”قدس برس” أنه لا يعلم ما إذا كان اختيار الموعد ينطوي على دلالة مقصودة أم جاء من دون تخطيط، مشدداً على أن المسألة الأهم تتمثل في احتمال أن يؤدي القرار إلى تمييع العملية الانتخابية وإدخال الفلسطينيين في مرحلة جديدة من الفوضى السياسية.

وتساءل عن مدى إمكانية إطلاق حوار وطني حقيقي خلال المرحلة المقبلة، في ظل الخلافات القائمة بشأن شروط المشاركة في الانتخابات وترتيباتها، مشيراً إلى أهمية مشاركة التيار الإصلاحي والالتزام بمخرجات أي توافق وطني وضمان تنفيذها.

وأشار المدهون إلى أن هذه التساؤلات تفتح الباب أمام مخاوف من وجود ضغوط أو تأثيرات خارجية، أمريكية وإسرائيلية وغيرها، إلى جانب عوامل داخلية مرتبطة بالسلطة والمنظومة السياسية، قد تحول دون التوصل إلى ترتيبات جدية وعاجلة لإعادة تنظيم البيت الفلسطيني على أسس سليمة.

وشدد على ضرورة التوصل إلى تفاهمات وطنية حقيقية تعالج الاختلالات القائمة، وتعيد تنظيم الحياة السياسية الفلسطينية، بما يتيح تجاوز حالة الجمود والانقسام.

مرسوم جديد يؤجل الانتخابات إلى أيلول 2027

وكان عباس قد أصدر، السبت، مرسوماً رئاسياً يدعو إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في 11 أيلول/سبتمبر 2027، استناداً إلى قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبعد إلغاء المرسوم رقم (4) لسنة 2026، الذي دعا إلى إجراء الانتخابات التشريعية في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026.

ونص المرسوم على دعوة الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة إلى المشاركة في انتخابات رئاسية وتشريعية حرة ومباشرة، لانتخاب رئيس دولة فلسطين وأعضاء المجلس التشريعي بصورة متزامنة، وفقاً لأحكام القانون.

وبررت الرئاسة تحديد الموعد الجديد بضرورة تهيئة الظروف السياسية والأمنية والميدانية اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشاملة، وبما يتيح إطلاق حوار وطني فلسطيني شامل لتعزيز الوحدة الوطنية ووحدة الأرض والنظام السياسي، ومعالجة التحديات التي تواجه العملية الانتخابية.

وأشار المرسوم إلى استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والتوسع الاستيطاني واقتحامات الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، والقيود المفروضة على حرية الحركة والتنقل، إلى جانب استمرار احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية، بوصفها عوامل تفرض تحديات أمنية واقتصادية وإدارية أمام إجراء الانتخابات.

كما أشار إلى الظروف الأمنية والإنسانية في قطاع غزة، وعدم استكمال الترتيبات المتعلقة بنشر قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، وعدم البدء بعملية إعادة الإعمار، وعدم استكمال انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع.

وتناول المرسوم كذلك القيود الإسرائيلية المفروضة على وصول طواقم لجنة الانتخابات المركزية والمراقبين الدوليين إلى قطاع غزة والقدس الشرقية، وما تسببه من صعوبات في استكمال التحضيرات وضمان حرية عمل الجهات المشرفة على الانتخابات ومراقبتها.

وأكد المرسوم أن تحديد الموعد الجديد يأتي في إطار الالتزام بإجراء الانتخابات باعتبارها استحقاقاً وطنياً ودستورياً، وتجسيداً لحق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم بحرية وديمقراطية، وتعزيزاً لوحدة النظام السياسي الفلسطيني. كما كلف لجنة الانتخابات المركزية باتخاذ الإجراءات اللازمة للتحضير للاقتراع وتنظيمه والإشراف عليه وفقاً لقانون الانتخابات العامة النافذ.

وكان عباس قد أصدر، في 9 تموز/يوليو الماضي، مرسوماً حدد فيه 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية في القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة.

انتخابات معطلة منذ عقدين وانقسام مستمر

وبحسب الأرقام الواردة في بيانات الانتخابات الفلسطينية، يبلغ عدد المؤهلين للاقتراع نحو 2.97 مليون فلسطيني، بينهم نحو 1.59 مليون في الضفة الغربية، و1.24 مليون في قطاع غزة، ونحو 140 ألفاً من حملة الهوية المقدسية.

وجرت آخر انتخابات تشريعية فلسطينية عام 2006، وفازت فيها حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بأغلبية المقاعد، قبل أن يتعمق الانقسام السياسي بينها وبين حركة «فتح»، وتسيطر حماس على قطاع غزة عام 2007، فيما استمرت السلطة الفلسطينية بقيادة فتح في إدارة الضفة الغربية.

ومنذ عام 2007، تعطل عمل المجلس التشريعي الفلسطيني، قبل أن تصدر المحكمة الدستورية العليا قراراً بحله عام 2018، لتستمر الأزمة السياسية والمؤسسية في ظل غياب انتخابات تشريعية جديدة، وعدم التوصل إلى صيغة تنهي الانقسام وتعيد توحيد المؤسسات الفلسطينية.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY