في خطوة تحمل أبعاداً سياسية وأمنية تتجاوز الطابع التقني المعلن، وقّعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية، اتفاقية شراكة استراتيجية في مجال “الذكاء الاصطناعي” داخل بؤرة “عير ديفيد” الاستيطانية المقامة على أراضي بلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى المبارك.
وجرت مراسم التوقيع على بعد أمتار قليلة من الأقصى، بمشاركة رسمية من الجانبين، حيث وقّع عن الجانب الإسرائيلي رئيس “المقر الوطني للذكاء الاصطناعي” إيريز أسكال، وعن الجانب الأمريكي وكيل وزارة الخارجية للشؤون الاقتصادية جاكوب هيلبرغ.
تكنولوجيا في خدمة المشروع التهويدي
وخلال الفعالية، ربط أسكال بين التطور التكنولوجي والاستيطان، قائلاً لوسائل إعلام إسرائيلية إن إقامة الاحتفال في “مدينة داود” (الاسم اليهودي لبلدة سلوان) يهدف إلى التأكيد على “الماضي المجيد” وفق الرواية الإسرائيلية، مضيفاً أن التقدم التكنولوجي يجب أن يخدم “قدرة الشعب اليهودي على العيش بحرية وسيادة”.
هذا الربط بين التكنولوجيا والمشروع الاستيطاني اعتبره مراقبون رسالة واضحة بأن الاتفاقية ليست مجرد تعاون علمي، بل جزء من مسار يدمج التطور التقني في خدمة الرؤية التهويدية للقدس ومحيطها.
غطاء تقني أمريكي للرواية التوراتية
المختص في الشأن الإسرائيلي محمد هلسة قال لـ”قدس برس” إن الاتفاقية تمثل تتويجاً لمسار طويل من الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب، يتجاوز المصالح التقليدية ليصل إلى “تماهٍ عقائدي مرتبط بالصهيونية المسيحية”.
ويرى هلسة أن اختيار سلوان تحديداً يحمل دلالات خطيرة في الصراع على الرواية التاريخية، إذ تسعى إسرائيل – وفق تقديره – إلى إظهار أن الولايات المتحدة تتبنى روايتها حول “الحوض المقدس” باعتباره مكاناً إسرائيلياً خالصاً، سياسياً وتاريخياً.
وأضاف أن المشاركة الأمريكية تشكل “بصمة واضحة” على الرواية الإسرائيلية، ورسالة إلى الأطراف الدولية بأن واشنطن تدعم السيادة الإسرائيلية المطلقة على القدس، وتتناغم مع خطاب اليمين الإسرائيلي الذي يستبدل الضفة الغربية بمسمى “يهودا والسامرة”.
سلوان… الخاصرة المستهدفة
من جهته، أكد الباحث في مؤسسة القدس الدولية علي إبراهيم لـ”قدس برس” أن اختيار سلوان لم يكن صدفة، بل يأتي ضمن مخطط منهجي للسيطرة على البلدة التي تُعد “خاصرة المسجد الأقصى”.
وأشار إلى أن الاتفاقية تأتي امتداداً لمشاركات أمريكية سابقة في مواقع تهويدية، مثل افتتاح “نفق طريق الحجاج” ومشاركة السفير الأمريكي السابق في طقوس عند حائط البراق، موضحاً أن هذه الخطوات تهدف إلى: تكريس الرواية الاستيطانية عبر منح الشرعية الدولية لمسمى “مدينة داود”. وتطبيع العدوان من خلال التعامل مع المناطق المهددة بالهدم والتهجير كجزء طبيعي من “الكيان”.
الذكاء الاصطناعي كأداة أمنية
وحذّر إبراهيم من البعد الأمني غير المعلن للاتفاقية، مشيراً إلى أن الاحتلال يسعى إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في أنظمة المراقبة والتحليل الاستخباراتي لتعزيز قبضته الأمنية على الفلسطينيين في القدس.
ويرى أن الاتفاقية تحمل رسالة مفادها أن التطور التقني الإسرائيلي يسير بالتوازي مع مشروع السيطرة الديموغرافية والمكانية، في وقت تشهد فيه المدينة المقدسة هجمة استيطانية غير مسبوقة.
وجرى توقيع الاتفاقية المذكورة يوم 16 كانون ثاني/يناير الجاري، وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في منشور على منصة شركة “إكس” الأمريكية: “اليوم في مدينة داود (سلوان)، وقعنا بيانا مشتركا لإطلاق شراكة استراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والبحث والتقنيات الحيوية، وذلك في إطار مبادرة باكس سيليكا”.
و”باكس سيليكا” هو تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة يهدف إلى تأمين وتعزيز سلاسل التوريد المتعلقة بالتكنولوجيا المتقدمة، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، والمواد الأساسية اللازمة لها.
ZCZC