أثار اتفاق الدفاع المشترك الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان، وجرى توقيعه في مكة، نقاشاً فلسطينياً واسعاً حول دلالاته السياسية والأمنية، وما إذا كان يمثل بداية لتشكّل قوة إقليمية جديدة يمكن أن تسهم في إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، أم أنه يأتي في إطار مساعي الرياض لتنويع شراكاتها الأمنية وتقليص اعتمادها على الولايات المتحدة.
وتباينت القراءات الفلسطينية للاتفاق بين من رأى فيه مؤشراً على تحولات في الحسابات الأمنية لدول المنطقة، خصوصاً بعد الحرب مع إيران، وبين من اعتبره تحالفاً محدود الأهداف لن يمتلك القدرة على التحول إلى قوة إقليمية مستقلة أو مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
تحولات في الحسابات الأمنية
ويرى المختص في الشؤون العبرية ياسر مناع أن الحرب مع إيران أفرزت نتائج استراتيجية لم تحظَ بالقدر الكافي من النقاش، أبرزها إعادة فتح ملف العلاقة الأمنية بين دول الخليج والولايات المتحدة.
ويقول مناع لـ”قدس برس” إن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه على عدد من الدول العربية يتمثل في مدى قدرة واشنطن على حماية حلفائها في حال اندلاع حرب واسعة في المنطقة، مشيراً إلى أن قناعة بدأت تتشكل لدى بعض هذه الدول بأن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لم يعد كافياً، وأن عليها توسيع خياراتها عبر بناء علاقات عسكرية وسياسية مع أطراف متعددة.
ويضيف أن الولايات المتحدة تبدو بدورها مدركة لهذه التحولات، وهو ما يمكن قراءته في بعض خطواتها المتعلقة بإعادة ترتيب وجودها العسكري في المنطقة، وتعزيز تعاونها مع “إسرائيل”، إلى جانب انفتاحها على البرنامج النووي المدني السعودي.
وبحسب مناع، فإن هذه التحولات تعكس إدراكاً أميركياً بأن واشنطن لم تعد الضامن الوحيد لأمن المنطقة، في الوقت الذي تسعى فيه دول عربية إلى توسيع هامش حركتها وبناء خيارات أمنية أكثر تنوعاً.
البحث عن توازن مع إسرائيل
ويربط مناع اتفاق مكة أيضاً بمخاوف عربية متزايدة من تحوّل “إسرائيل” إلى القوة الأكثر تفوقاً في المنطقة، في ظل غياب قوة إقليمية قادرة على تحقيق نوع من التوازن معها.
ويعتبر أن الاتفاق بين السعودية وتركيا وباكستان يمكن قراءته في هذا السياق، باعتباره محاولة لبناء توازن جديد في المنطقة، خصوصاً مع اتساع القدرات العسكرية الإسرائيلية وتنامي نفوذها الإقليمي.
ويشير إلى أن بعض مراكز التفكير الإسرائيلية تنظر بقلق إلى أي تعاون استراتيجي بين الدول الثلاث، وتدعو إلى العمل على إضعاف مثل هذه الترتيبات أو منع تطورها.
ويحذر مناع في الوقت ذاته من قراءة الاتفاق من خلال قوالب نمطية ثابتة، معتبراً أن جزءاً من النقاش العربي ما زال يتعامل مع سياسات الدول العربية انطلاقاً من مواقفها السابقة، من دون الانتباه إلى التغيرات التي طرأت على حساباتها ومصالحها وتحالفاتها.
ويؤكد أن فهم هذه التحولات لا يعني بالضرورة تأييد سياسات هذه الدول أو الدفاع عنها، وإنما يقتضي، برأيه، الفصل بين الموقف السياسي منها وبين القدرة على قراءة مصالحها وتحركاتها بصورة واقعية
مشروع إقليمي جديد
المحاضر في جامعة بيرزيت عبد الرحمن أبو سليم يرى أن المؤشرات المتزايدة إلى أن التحالف السعودي–التركي–الباكستاني لا يمثل مجرد تنسيق سياسي عابر، بل يعكس بدايات تشكل مشروع إقليمي جديد، تقوده تركيا برؤية استراتيجية عملت على بنائها لسنوات.
وأضاف “هذا المشروع يستهدف إعادة صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط ومنافسة مختلف المشاريع الإقليمية، وفي مقدمتها المشروع الإسرائيلي، بما يوحي بأن المنطقة قد دخلت مرحلة انتقالية تشهد بروز محور ذا طموح سياسي وأمني يتجاوز حدود التعاون التقليدي بين الدول”.
ويشدد أبو سليم على أنه “لا يزال من المبكر التعويل على هذا المسار بوصفه تحولًا استراتيجيًا مكتمل الأركان، كما أن رفع سقف التوقعات في هذه المرحلة قد يسبق ما تسمح به الوقائع الميدانية والسياسية”.
تحالف جديد أم إعادة إنتاج للأحلاف القديمة؟
في المقابل، يقرأ الناشط محمود منصور الاتفاق من زاوية مختلفة، محذراً من تجاهل الخلفية التاريخية للتحالفات التي جمعت الدول الثلاث بالولايات المتحدة خلال العقود الماضية.
ويقول منصور لـ”قدس برس” إن السعودية وتركيا وباكستان شكلت، بدرجات مختلفة، جزءاً أساسياً من عدد من الأحلاف والمشاريع الأمنية التي رعتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الثانية، معتبراً أن الهدف من كثير من تلك الترتيبات كان مواجهة القوى والدول المناهضة للهيمنة الأميركية.
ومن هذا المنطلق، يتحفظ الناشط منصور على تقديم الاتفاق باعتباره ولادة لمحور إسلامي مستقل، ويرى ضرورة النظر إلى علاقات الدول الثلاث التاريخية مع المنظومة الأمنية والسياسية الغربية عند تقييم الاتفاق الجديد.
تشكيك في قدرة التحالف
أما الكاتب عبد الله فايد، فيرفض وصف الاتفاق بأنه تأسيس لتحالف سني أو قوة إسلامية ضاربة، ويرى أنه أقرب إلى محاولة سعودية للحصول على مظلة أمنية إضافية في مواجهة التهديد الإيراني.
ويعتقد فايد أن الاتفاق لن يؤدي بالضرورة إلى استعداد عسكري مباشر من تركيا أو باكستان للدفاع عن السعودية في حال نشوب مواجهة، معتبراً أن الرياض قد تكون معنية بالدرجة الأولى ببناء حالة ردع سياسية وأمنية، وليس تأسيس حلف عسكري يخوض حروباً مباشرة.
وفي السياق ذاته، يشكك الناشط ساجي ماضي في إمكانية تحول الاتفاق إلى محور إقليمي قوي، ويرى أن نجاحه سيبقى مرتبطاً بمدى استعداد الدول الثلاث لاتخاذ مواقف مستقلة تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويتساءل ماضي عن قدرة التحالف على مواجهة النفوذ الأميركي والإسرائيلي في المنطقة، وكذلك عن مدى استعداد تركيا وباكستان للدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران، معتبراً أن تباين المصالح والحسابات بين أطراف الاتفاق قد يحول دون تحوله إلى تحالف عسكري متماسك.
كما ينتقد ماضي طبيعة الأنظمة السياسية المشاركة في الاتفاق، ويرى أن غياب البعد الشعبي عن مثل هذه الترتيبات يجعلها، من وجهة نظره، أقرب إلى تحالفات بين حكومات لا تعبر بالضرورة عن تطلعات الشعوب.
ترتيبات إقليمية جديدة
تأتي خطوة الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، شهدت خلال العقود الماضية قيام تحالفات أمنية متعددة ارتبط معظمها بدرجات متفاوتة بالولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.
فمنذ الحرب العالمية الثانية، سعت واشنطن إلى بناء منظومة أمنية إقليمية تضمن حماية مصالحها وممرات الطاقة ومواجهة القوى التي كانت تعتبرها تهديداً لنفوذها.
وبرز في هذا السياق حلف بغداد في خمسينيات القرن الماضي، ثم الحلف المركزي، إلى جانب مشاريع وترتيبات أمنية أخرى شاركت فيها دول مثل تركيا وباكستان وإيران في مراحل مختلفة.
ومع انتهاء الحرب الباردة، تغيرت طبيعة التهديدات والتحالفات، لكن الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة ظل عنصراً أساسياً في حسابات عدد من دول المنطقة، خصوصاً دول الخليج.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات متسارعة، بدءاً من تصاعد التنافس الأميركي ـ الصيني، مروراً بتنامي الدورين الروسي والتركي، وصولاً إلى الحرب الإسرائيلية على غزة والتوترات المتصاعدة مع إيران، ما دفع عدداً من دول المنطقة إلى تنويع علاقاتها وشراكاتها.
وفي ظل هذه التحولات، برزت السعودية بوصفها لاعباً يسعى إلى توسيع هامش المناورة بين القوى الدولية والإقليمية، فيما عززت تركيا حضورها الإقليمي، وحافظت باكستان على علاقاتها الأمنية والعسكرية مع دول الخليج.
وتأتي اتفاقية مكة في هذا السياق المتغير، حيث يصعب فصلها عن النقاش الأوسع حول مستقبل النظام الأمني في الشرق الأوسط، ومدى استمرار الاعتماد على المظلة الأميركية، وإمكانية ظهور ترتيبات إقليمية جديدة.
وبينما يرى مؤيدو الاتفاق أنه قد يمثل خطوة أولى نحو تنويع مصادر الأمن وبناء توازن إقليمي، يعتقد منتقدوه أن اختلاف المصالح بين الدول الثلاث، وارتباطها بدرجات متفاوتة بالمنظومة الدولية القائمة، قد يحد من قدرته على التحول إلى حلف عسكري مستقل وفاعل.
وبالنسبة للفلسطينيين، يبقى السؤال الأهم هو مدى انعكاس هذه التحولات على القضية الفلسطينية، وما إذا كان أي توازن إقليمي جديد سيضع مواجهة التوسع الإسرائيلي ووقف الحرب والاحتلال ضمن أولوياته، أم سيظل محكوماً أساساً بحسابات أمن الدول ومصالح أنظمتها.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY