لم يكن الموت في غزة نهايةً مكتملة؛ فحتى القبور لم تُترك لأصحابها. في مقبرة “البطش” شرقي مدينة غزة، كُسر الصمت الأخير للموتى، بعدما أقدم جيش الاحتلال على نبش عشرات القبور بحثًا عن جثة آخر جندي إسرائيلي في القطاع، في مشهد أعاد الفقد من تحت التراب، وفتح جرحًا جديدًا في ذاكرةٍ لم تلتئم أصلًا.
على أرض المقبرة، لم تعد الشواهد علامات سلام ووداع، بل تحوّلت إلى أسئلة مفتوحة: من بقي هنا؟ ومن أُخرج قسرًا من مثواه الأخير؟ وكيف تحوّل القبر، رمز السكينة والحرمة، إلى ساحة انتهاك جديدة؟
يقول سكان المنطقة إنّ المقبرة لم تكن مجرد مساحة للدفن، بل ذاكرة جماعية لأجيال، تضم شهداء وأمواتًا رحلوا قبل الحرب بسنوات. ومع نبشها، لم تُنتهك حرمة الموتى فحسب، بل سُحقت مشاعر ذويهم الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن حماية حتى قبور أحبّتهم.
أمهات وآباء يقفون عند أطراف المقبرة، لا يبحثون عن أحياء، بل عن يقين: قبر لم يُمس، شاهد لم يُكسر، اسم ما زال في مكانه. بعضهم لم يعد يعرف أين يرقد ابنه أو زوجته، بعدما اختلط التراب وتبدّلت المعالم، وغابت الحدود بين قبر وآخر.
ولا يُقرأ نبش مقبرة “البطشك” حادثة معزولة، بل كجزء من مشهد أوسع لانتهاك كل ما هو محمي بالقانون والأخلاق والإنسانية. فالمقابر، وفق القانون الدولي الإنساني، أماكن مصونة لا يجوز المساس بها، حتى في أشد النزاعات قسوة. لكن في غزة، لم تترك الحرب شيئًا خارج دائرة الاستهداف، لا الأحياء ولا الأموات.
الأثر لم يكن ماديًا فحسب، بل نفسيًا عميقًا، إذ أعاد النبش فتح دوائر الحزن، وعمّق الإحساس بانعدام الأمان الوجودي: إذا كان الموتى أنفسهم لم يسلموا، فماذا تبقى للأحياء؟
في مقبرة “البطش”، لم يُنبش التراب وحده، بل نُبشت الذاكرة والكرامة وحق الإنسان في وداعٍ أخير آمن. وبين شواهد مكسورة وصمت ثقيل، يظل السؤال معلقًا: كيف يمكن لمدينةٍ أن تحزن موتاها، إذا كان موتاها أنفسهم بلا قبور؟
“أدنى حق إنساني امتهنوه، لم يتبقَّ من كرامة الإنسان شيء… حتى القبور لم تسلم”، هكذا عبّر المواطن عماد حجازي عن حزنه وخوفه على جثامين أفراد عائلته، الذين لا يعلم اليوم ما حلّ بمرقدهم الأخير.
ويؤكد حجازي في حديث لـ”قدس برس” أن ما جرى من نبش للمقبرة بحثًا عن جثة جندي واحد ، “مفزع” ويجب أن يُحاسَب عليه الاحتلال”، متسائلًا: “أي ظلم هذا أن تُنبش عشرات القبور من أجل جثة جندي، وكأن حياة جنودهم أهم من شهدائنا؟”.
ويضيف أن الصور التي نشرها الإعلام العبري “لم تكن سوى سكين تطعن في خاصرة ضمير أمة لم تحرّك ساكنًا منذ بداية الحرب”.
بدوره، عبّر ناصر قريقع عن صدمته مما شاهده، قائلًا إنّ الاحتلال ل”م يكتفِ بسلب الحياة، بل قرر انتهاك راحة الشهداء في قبورهم”، مؤكدًا أنه لا يعلم شيئًا عن مصير جثامين شقيقتيه وأقربائه بسبب استمرار خطورة المنطقة.
من جانبه، شدّد الحقوقي سعيد عبد الله على أن نبش المقابر يُعدّ انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي الإنساني، وقد يُكيَّف كجريمة حرب إذا تم بشكل متعمد وواسع النطاق، وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لكونه اعتداءً على الكرامة الإنسانية ومعاملة مهينة وحاطة بالكرامة.
وأكد في حديث لـ”قدس برس” أن هذه الجرائم تفتح الباب أمام الملاحقة القانونية الدولية عبر المحكمة الجنائية الدولية، وآليات الأمم المتحدة، وتفعيل الولاية القضائية العالمية، مشيرًا إلى أن حرمة الموتى وحماية قبورهم تُعد من القواعد الآمرة التي لا يجوز الانتقاص منها تحت أي ظرف.
وفي السياق ذاته، قال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي بغزة إسماعيل الثوابتة إنّ نبش مقبرة “البطش” يندرج ضمن سياسة ممنهجة لانتهاك حرمة الموتى والمقدسات، في إطار حرب الإبادة الشاملة على قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وأوضح في حديث لـ”قدس برس” أن الاحتلال دمّر 40 مقبرة من أصل 60 في القطاع، وسرق أكثر من ألفان و 550 جثمانًا، إضافة إلى إنشاء مقابر جماعية داخل المستشفيات، معتبرًا ما جرى “سابقة خطيرة في تاريخ النزاعات المسلحة الحديثة”.
وأكد الثوابتة أن هذه الجرائم موثقة، ولا تسقط بالتقادم، وتستوجب تحقيقًا دوليًا عاجلًا ومساءلة قادة الاحتلال أمام العدالة الدولية، مشددًا على أن ما جرى في مقبرة “البطش” ليس حادثًا عارضًا، بل جزء من سياسة تستهدف الإنسان الفلسطيني حيًا وميتًا.
وعلى مدار يومين كانت “مقبرة البطش” في حيّ التفاح شمال شرق مدينة غزة، مسرحا للعبث من قوات الاحتلال ترافقها فرق مختصة في مهمة العثور على جثة الجندي الإسرائيلي الأسير الأخير ران غويلي.
وتشير المعلومات المتواترة إلى أن الاحتلال نبش وجرف زهاء 250 قبرا في هذه المقبرة، وأخرج الجثامين وأخضعها لفحوص ميدانية، ونقل عددا غير معلوم من جثث الشهداء والأموات لمعهد الطب العدلي (أبو كبير) بمدينة القدس، وليس معلوما مصير هذه الجثامين بعد العثور على جثة الجندي الإسرائيلي.
QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY