حذر الكاتب وعضو مجلس إدارة الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب في سوريا، سليمان مهنا، من خطر وصفه بالمقنّع يهدد فلسطينيي سوريا، يتمثل في تحول إدارة الملف الفلسطيني إلى نمط من التبعية والممارسة الأمنية يعيد إنتاج أشكال سلطة سابقة بوجوه جديدة.
وأوضح مهنا في مقال مطوّل على صفحته الشخصية على فيسبوك، أن “هذا التحذير لا يهدف إلى التشويه أو الاتهام، بل إلى التنبيه من نتائج خطيرة قد تترسخ إذا استمر التعامل مع القضية الفلسطينية في سوريا عبر منطق الزعامات والهيمنة الواقعية بدل بناء مؤسسات مدنية وقانونية قادرة على حماية الحقوق وضمان الاندماج في الدولة الحديثة”.
ويرى الكاتب أن “جذور الخطر ودوافعه تعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية: أولها الأسباب التاريخية والسياسية التي جعلت الملف الفلسطيني داخل سوريا في موقع خاص سياسياً وأمنياً، ما سمح لبعض الممارسات القديمة بالعودة إلى الواجهة بدوافع أمنية أو بحسن نية من بعض من يسعون إلى استقرار مؤقت بطرق تقليدية. أما ثانيها فهو فراغ المؤسسات وصعود الزعامات الواقعية، نتيجة فشل المنظومة القديمة من فصائل ومؤسسات مرتهنة للنظام السابق خلال سنوات الحرب، وعدم تمكين مؤسسات فلسطينية سورية مستقلة وقوية ترتبط مؤسساتياً بالدولة السورية، ما ولّد فراغاً تسده شخصيات نافذة على الأرض بدلاً من قواعد مؤسسية واضحة. وثالثها جاذبية الحلول الأمنية السريعة، إذ يوضح مهنا أن الحلول الأمنية أو شبه الأمنية تبدو في الظروف الانتقالية أقل كلفة سياسياً وأسرع تنفيذاً، لكنها تؤدي عملياً إلى ترسيخ النفوذ الفردي والزعامي على حساب مؤسسات الدولة والقانون”.
ويشير مهنا إلى مظاهر الممارسة الأمنية والتحكم بالمرجعية، حيث برزت مرجعيات ميدانية تعتمد على القدرة على النفوذ والسيطرة الميدانية لا على الشرعية القانونية، إلى جانب وصاية غير مباشرة تمارسها زعامات تمتلك امتيازات اقتصادية أو اجتماعية أو علاقات نافذة، لتتحول هذه الزعامات إلى أدوات جديدة لإعادة إنتاج العلاقة القديمة بين الدولة والأفراد المهيمنين. ويضيف أن حضور الأجهزة والأطراف الأمنية، حتى وإن لم تكن في الواجهة المباشرة، يعزز منطق التحكّم والائتلافات غير الرسمية التي تمنع استقلالية المؤسسات الفلسطينية أو دمجها في الدولة المدنية.
ويحذر الكاتب من تبعات التحول إلى مرجعية أمنية للملف الفلسطيني، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي إلى إضعاف المؤسسات الفلسطينية وإفقادها القدرة على حماية الحقوق، وإلى تحويل المطالب إلى سلعة خاضعة للنفوذ لا للقانون. كما يرى أن هذا النهج يعيد إنتاج نموذج استبدادي يقوم على منطق الأفراد فوق المؤسسات، ما يهدد مشروع سوريا الجديدة بالانزلاق نحو صيغ سلطوية محدثة. ويؤكد أن استمرار إدارة الملف الفلسطيني بمرجعيات ميدانية وأمنية سيضعف من فرص الاندماج والإصلاح ويقلّص مساحة الشراكة مع الدولة الجديدة، مما يعيق بناء منظومة شفافة وعادلة.
ويبيّن مهنا أن الجهات التي تغذي هذا المسار متعددة، منها أطراف أمنية تبحث عن استقرار قصير الأمد، وزعامات محلية تسعى للحفاظ على مصالحها الاقتصادية والاجتماعية، وأطراف خارجية أو إقليمية تدفع باتجاه استمرار قنوات نفوذ غير مؤسساتية تخدم مصالحها في بنية القوة المحلية. ويشدد الكاتب على أن الهدف من التحذير ليس التشكيك أو الاتهام، بل التنبيه من أخطاء كارثية قد تقع نتيجة سوء تقدير أو نظرة قصيرة الأمد، حتى وإن كانت النوايا حسنة والدوافع وطنية كما يظن أصحابها ومريدوهم.
ويقترح الكاتب جملة من السبل لتفادي فخ التبعية الأمنية وبناء مرجعية مدنية، أبرزها إعادة تأهيل البنية المؤسسية الفلسطينية ضمن دولة القانون، مستنداً إلى الدور المركزي للهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب، بوصفها مؤسسة فلسطينية سورية رسمية خاضعة للرقابة والمساءلة الوطنية، تمتلك صلاحيات تعادل مستوى وزارة وتعمل كقناة رسمية تعنى بحقوق اللاجئين ومصالحهم بعيداً عن منطق الزعامات. كما يدعو إلى فصل الأمن عن الإدارة المدنية للملف الفلسطيني، بحيث تُدار المسائل المدنية والإدارية عبر مؤسسات مدنية مختصة وعلى رأسها الهيئة العامة للاجئين، مع ضمان استقلاليتها القانونية وحدود الأدوار الأمنية.
ويؤكد مهنا أهمية تعزيز الشراكات الدولية والدعم الفني بعيداً عن الوصاية السياسية، من خلال التعاون مع جهات دولية مثل الأونروا واليونيسف واليونسكو لدعم قدرات مؤسساتية لا نفوذ فردي، إضافة إلى إنشاء آليات محلية للتمثيل والمساءلة عبر انتخابات ومشاركات مجتمعية تضمن تمثيلاً منظماً للفلسطينيين السوريين في إطار الدولة الحديثة، مع احترام التنوع وضمان المشاركة الفعالة عبر القنوات الرسمية.
ويختم سليمان مهنا مقاله بالتأكيد على أن الرهان الحقيقي لسوريا الجديدة يجب أن يكون على دولة المؤسسات والقانون، التي تضمن حقوق جميع مواطنيها وسكانها بمن فيهم الفلسطينيون السوريون، مؤكداً أن أي منحى يعيد إنتاج المرجعيات الأمنية أو الوصاية الفردية لا يشكل تهديداً لحقوق الفلسطينيين فحسب، بل تهديداً لبنية الدولة السورية الحديثة نفسها. ويخلص الكاتب إلى أن الوقت الآن لتعزيز دور الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب باعتبارها الضمانة الحقيقية لدمج الفلسطيني السوري كشريك كامل في الدولة المدنية، بعيداً عن أي مرجعيات أمنية أو زعامات واقعية تعيد إنتاج النظام القديم بصيغته الأمنية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY