لم يعد التصعيد في قطاع غزة خلال الساعات الأخيرة مجرد سلسلة من الضربات المتفرقة، بل يبدو أقرب إلى مسار متصاعد تتقاطع فيه الغارات الجوية والاستهدافات وأوامر الإخلاء، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية داخل إسرائيل بشأن شكل المرحلة المقبلة في القطاع.
ومنذ أمس، تواصلت الضربات الإسرائيلية على مناطق مختلفة من غزة، بالتزامن مع تحذيرات وإخلاءات تستهدف مناطق مأهولة، فيما تأتي الاستهدافات في بيئة سكانية شديدة الاكتظاظ، حيث تتداخل الأحياء السكنية والمربعات المدنية مع مناطق النزوح التي لجأ إليها السكان بحثاً عن مساحة أكثر أمناً.
المفارقة الأكثر خطورة أن الإخلاء لا يعني بالضرورة الوصول إلى منطقة آمنة؛ فكل موجة نزوح جديدة تعني نقل أعداد كبيرة من المدنيين إلى مساحات محدودة أصلاً، بينما يبقى القطاع محاصراً ومكتظاً، وتزداد صعوبة توفير المأوى والغذاء والرعاية الصحية.
وهنا تبرز دلالة التصعيد الحالي، فالقصف والإخلاء يتحركان معاً.
فبينما يُطلب من العائلات مغادرة مناطق معينة، تستمر الضربات في محيط واسع، ما يخلق حالة من الحركة القسرية المستمرة، ويجعل المدني أمام خيارات شديدة الضيق.
سياسياً، لا يمكن فصل ما يجري عن الخطاب الإسرائيلي المتشدد تجاه مستقبل غزة. فداخل الحكومة الإسرائيلية، تستمر أصوات تدفع باتجاه تشديد الضغط على القطاع، فيما تتحدث شخصيات يمينية عن ترتيبات تتجاوز مجرد العمليات العسكرية إلى إعادة تشكيل الواقع السكاني والسياسي في غزة.
الكاتب والمحلل السياسي أحمد الطناني يرى أن التصعيد الإسرائيلي على القطاع منذ يومين يأتي في ظل موسم انتخابي إسرائيلي، وتتلاقى فيه المسارات ما بين المسار الاستراتيجي لحكومة اليمين الإسرائيلية، التي تهدف بدرجة أساسية إلى إبقاء واقع الإبادة قائماً في قطاع غزة، وذلك عبر الأدوات العسكرية المباشرة أو غير المباشرة المرتبطة بالعقوبات الجماعية واستمرار حالة الابتزاز الإنساني، وكذلك استمرار منع أي إمكانية للإعمار والتعافي، بهدف قتل أي أفق للحياة في القطاع، وذلك من خلال تحويل اتفاق وقف إطلاق النار إلى غطاء فقط لاستمرار الإبادة دون تقديم أي تنازلات بالمعنى الفعلي.
وأكد الطناني لـ”قدس برس” أن التقاطع الثاني لما يحدث هو الحاجة الانتخابية لبنيامين نتنياهو؛ فالموسم الانتخابي محتدم، وبالتالي فإن بنيامين نتنياهو وحساباته الانتخابية لا تدفعه بأي شكل من الأشكال لتقديم أي نوع من التنازلات في قطاع غزة على نحو التحديد، باعتباره أكثر الملفات حساسية وإثارة في الرأي العام الإسرائيلي وفي الموسم الانتخابي، وبالتالي هو لن يُمَلِّك المعارضة الإسرائيلية أي مادة لاستخدامها في إطار المزاودة الانتخابية، وسيستثمر بدرجة أساسية في الإبادة، وسيستثمر أيضاً في رفع وتيرة العدوان والقتل في قطاع غزة ليثبت أن الحرب ما زالت مستمرة.
وقال إن السعي العسكري لتحقيق أهداف الحرب وما وعد به الجمهور الإسرائيلي باعتباره “النصر المطلق” سيبقى مستمراً، ولن تتوقف فيه “إسرائيل” عن الضرب والعدوان والدمار، بل سترفع الوتيرة إلى درجات أعلى مع اقتراب الموعد الانتخابي.
وأضاف أن استهداف المربعات السكنية المكتظة يأتي كجزء من الاستثمار الإسرائيلي في سياسة التدمير الشامل لكل البنى الحضارية في القطاع، ليتشابه مع ما حدث شرق الخط الأصفر عبر عملية التجريف والتدمير لكل البنى العمرانية وأي بنى تحتية.
وأشار إلى أن كل المبررات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية غير حقيقية وغير جادة، وهي مجرد بيع للوهم للرأي العام الدولي. بالمعنى الفعلي، الهدف الأساسي هو منع أي إمكانية لأن يبقى أي شكل من أشكال الحياة في قطاع غزة.
وشدد على أن ما يقوم به جيش الاحتلال يخدم الهدف الاستراتيجي الإسرائيلي بحصر أهالي القطاع ما بين الموت السريع بنيران الصواريخ، والموت البطيء بفعل الأوضاع الإنسانية الكارثية، أو الخروج من قطاع غزة تحت ما يسمى بخطط التهجير الطوعي التي يتحدث عنها وزير الحرب الإسرائيلي إسرائيل كاتس، بالقول إن “إسرائيل” تدرس خططاً لتهجير أهالي قطاع غزة من البحر ومن الجو.
في السياق ذاته، أكد المحلل السياسي مأمون أبو عامر أن عمليات القصف والتدمير الممنهج التي عادت إلى قطاع غزة في الأيام الأخيرة تأتي في سياقات السياسة الإسرائيلية الشاملة الجديدة، والقائمة على التهجير وسحق الإنسان في قطاع غزة.
وقال أبو عامر إن الخطة الآن تكمن في ظل الجو الانتخابي المشحون بالعودة إلى فكرة تهجير الغزيين وتضييق خناق الحياة عليهم، وإدخال سكان القطاع في مرحلة من عدم اليقين وعدم الاستقرار والتجويع التي نشاهدها، وغياب الاستقرار النفسي والخوف والقلق الأمني، وفقدان كل مقومات الحياة الأساسية.
وأضاف لـ”قدس برس” أن كل ما يجري في قطاع غزة هو جزء من حرب شاملة تخوضها إسرائيل على الشعب الفلسطيني، سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وتابع أن القصف والتدمير والإخلاءات لن تتوقف لكونها مرتبطة بالموضوع الانتخابي ومقايضات سياسية، مشيراً إلى أن الوضع سيبقى قائماً على ما هو عليه ما لم تتدخل الإدارة الأمريكية بشكل قوي، خاصة أن الموضوع تجاوز مسألة التهديد الأمني؛ كما تحدث كوشنر قائلاً: “إننا نتفهم أن هناك تهديدات أمنية لإسرائيل، ولذلك قد نتفهم عمليات الاستهداف، لكن عمليات استهداف البيوت هذه تجاوز خطير وكبير، وتجاوز للتفهم الأمريكي.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY