Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

طوابير الخبز تعود إلى شوارع غزة.. نقص الطحين يهدد بتوقف المخابز

لم تعد عودة طوابير الخبز إلى شوارع قطاع غزة مجرد مشهد يومي يعكس صعوبة الحصول على الغذاء، بل باتت مؤشرًا على هشاشة الأمن الغذائي، في ظل تراجع المساعدات الإنسانية ومحدودية الإمدادات، وتصاعد المخاوف من نفاد الطحين اللازم لتشغيل المخابز.

ومع تزايد الضغوط على المنظومة الغذائية، تجد آلاف العائلات نفسها أمام تهديد جديد يمسّ أحد أبسط مقومات الحياة، وهو القدرة على تأمين رغيف الخبز، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للأسر وتتقلص الخيارات المتاحة لتوفير الغذاء.

وتكتسب هذه المخاوف خطورتها من اعتماد شريحة واسعة من سكان القطاع على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتها الأساسية. فأي اضطراب في إمدادات الطحين أو الوقود اللازم لتشغيل المخابز لا يقتصر أثره على تراجع الإنتاج، بل يهدد وصول الغذاء إلى الأسر الأكثر هشاشة، التي لم تعد تملك الموارد الكافية لمواجهة ارتفاع الأسعار أو انقطاع السلع الأساسية.

وفيما يتعلق بإنتاج الخبز، أفاد تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” بأن الشركاء الإنسانيين دعموا إنتاج نحو 280 طنًا متريًا من الخبز يوميًا حتى منتصف تشرين الأول/أكتوبر الجاري، عبر المبيعات المدعومة والتوزيعات المجانية، وهي كميات لا تغطي سوى نحو 33% من الاحتياجات المقدّرة.

وحذّر التقرير الأممي من أن نقص التمويل، والاعتماد على معبر واحد لدخول الشحنات، والتأخيرات المرتبطة بإجراءات التفتيش والتخليص ومناولة البضائع، عوامل تواصل تقييد دخول المواد الغذائية وتحدّ من انتظام تدفق المساعدات.

وفي ظل هذه الظروف، تتزايد التحذيرات من تداعيات نقص الطحين على عمل المخابز التجارية وقدرتها على الاستمرار، وسط اتهامات للاحتلال الإسرائيلي بتقييد إدخال الدقيق والمواد الغذائية إلى القطاع.

وقال رئيس جمعية أصحاب المخابز في غزة، عبد الناصر العجرمي، لـ”قدس برس”، إن منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال الطحين والمواد الغذائية إلى القطاع منذ أيام أدى إلى إغلاق 10 مخابز من أصل 17 مخبزًا تجاريًا.

ونفى العجرمي صحة ما يعلنه “منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية” بشأن إدخال شاحنات تجارية إلى غزة، موضحًا أن الشاحنات التي تدخل تحمل أحذية وملابس وفحمًا وسلعًا أخرى غير غذائية، في حين يُمنع إدخال الدقيق التجاري منذ عشرة أيام.

وأضاف أن الانقطاع المتعمد لإمدادات الطحين التجاري أدى إلى إغلاق عدد من المخابز التي يعتمد عليها المواطنون في الحصول على الخبز، محذرًا من أن المخابز المتبقية تواجه خطر التوقف خلال 48 ساعة، في حال استمرار منع إدخال الدقيق.

وأشار إلى أن إغلاق المخابز التجارية يعود إلى عدم توافر مخزون كافٍ من الطحين في القطاع، نتيجة محدودية عدد الشاحنات التي تدخل يوميًا، موضحًا أن الكميات التي كانت تصل قبل منع إدخال الدقيق التجاري لم تتجاوز ثماني إلى عشر شاحنات محمّلة بالطحين، وكانت تُستهلك خلال يومين.

وفي المقابل، أوضح العجرمي أن المخابز المدعومة من برنامج الأغذية العالمي، والبالغ عددها 21 مخبزًا، تواصل عملها بصورة اعتيادية، وتنتج نحو 150 طنًا من الخبز، إلا أن هذه الكمية لا تغطي سوى ربع احتياجات القطاع، وفق تقديره.

وحذّر من أن توقف المخابز التجارية المتبقية، في ظل عدم إدخال الطحين التجاري وعدم الوفاء بالوعود المتعلقة بتوفير الإمدادات، سيؤدي إلى إرباك الأسواق وزيادة معاناة المواطنين، وينذر بكارثة حقيقية في توفير الخبز بمختلف مناطق القطاع.

ولا تقتصر تداعيات نقص الطحين على احتمال تراجع كميات الخبز المنتجة، بل تمتد إلى آثار اجتماعية وإنسانية أوسع، خصوصًا على العائلات النازحة والأطفال والمرضى وكبار السن. ففي ظل محدودية الخيارات الغذائية، قد تضطر الأسر إلى تقليص عدد وجباتها أو الاستغناء عن بعض احتياجاتها الأساسية، بما يزيد من هشاشة أوضاعها المعيشية والتغذوية.

وفي هذا السياق، قال نقيب الأخصائيين الاجتماعيين، سلامة أبو زعيتر، لـ”قدس برس”، إن خطورة تجدد أزمة الخبز تكمن في تأثيرها المباشر على الفئات الأكثر هشاشة، ومن بينها الأرامل والنساء والأطفال وكبار السن، الذين يعتمد كثيرون منهم على المساعدات الإنسانية لتأمين غذائهم.

وأكد أبو زعيتر أن حرمان هذه الفئات من قوتها الأساسي لا يعني تعميق معاناتها المعيشية فحسب، بل يدفعها إلى أوضاع تحرمها من أدنى مقومات الحياة الكريمة، ويكرّس العزلة والإقصاء المجتمعيين، ويضاعف شعورها بانعدام الأمان النفسي.

وأضاف أن غياب البدائل الإغاثية والاقتصادية يحوّل نقص الغذاء إلى تهديد مباشر لحياة مئات آلاف العائلات التي تعيش تحت خط الفقر المدقع، محذرًا من أن أوضاعها الصحية والمعيشية لا تحتمل موجة جديدة من الجوع.

من جانبه، قال المختص بالشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر، لـ”قدس برس”، إن أزمة نقص السلع الأساسية استمرت رغم استئناف دخول الشاحنات إلى القطاع، وشملت الخضروات والفواكه والطحين، ووصلت إلى حد إغلاق بعض المخابز، في وقت دخلت فيه شاحنات محمّلة بالفحم وسلع أخرى أقل أولوية من الناحية الغذائية.

وأوضح أبو قمر أن هذه المفارقة تكشف أن فتح المعابر وحده لا يكفي لإنعاش الأسواق، ما لم تتوافر السلع الضرورية بالكميات المطلوبة وبصورة منتظمة.

وأضاف أن الفجوة بين الاحتياجات والإمدادات تتضح من خلال الأرقام؛ إذ يحتاج القطاع إلى أكثر من 800 شاحنة يوميًا، بينما يُقدّر متوسط ما يدخل الأسواق بنحو 200 شاحنة، مقارنة بنحو 600 شاحنة ينص عليها البروتوكول الإغاثي. وبحسب هذه الأرقام، تقل الواردات المتاحة بنحو 75% عن الاحتياجات المقدّرة، ولا تتجاوز ثلث العدد المنصوص عليه في البروتوكول.

وأشار أبو قمر إلى أن النقص لا يقتصر على المواد الغذائية، بل يشمل أيضًا سلعًا ومدخلات أساسية أخرى، إلى جانب الوقود الذي يدخل بكميات مقيّدة، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والتشغيل، وتعطيل المنشآت، وإضعاف فرص التعافي الاقتصادي.

ولفت إلى أن الأزمة تتفاقم في ظل تجاوز معدل البطالة 80%، وارتفاع نسبة الفقر إلى أكثر من 90%، واعتماد نحو 95% من الأسر على المساعدات، وفق التقارير الأممية. وأضاف أن تقليص المساعدات خلال الأشهر الماضية، وآخره قرار برنامج الأغذية العالمي وقف المساعدات عن 500 ألف شخص، يزيد الضغوط على الأسر التي تواجه نقص الغذاء وتراجع القدرة الشرائية في آن واحد.

وتتضاعف هذه المخاطر مع استمرار أزمة تمويل العمل الإنساني، وما تفرضه من قيود على قدرة المؤسسات الدولية على الحفاظ على وتيرة المساعدات. فكل تراجع في الدعم المقدم للأسر، بالتزامن مع تعثر تدفق السلع الأساسية، يزيد الضغوط على الأسواق المحلية، ويجعل الحصول على الغذاء أكثر صعوبة، خصوصًا للفئات الأقل قدرة على تحمّل التكاليف.

وفي ظل هذه المعطيات، لا تبدو عودة طوابير الخبز مجرد أزمة عابرة في توفير سلعة أساسية، بل إنذارًا بتفاقم انعدام الأمن الغذائي في قطاع غزة، مع تراجع الإمدادات، ومحدودية الإنتاج المدعوم، وتزايد أعداد الأسر العاجزة عن تأمين احتياجاتها اليومية.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY