Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

صيادو غزة.. حينما تحمل أمواج البحر الموت والرصاص

على قارب صيده المركون في ميناء غزة، يجثو الصياد رامز الهسي على ركبتيه، يتأمل خط الأفق البعيد، حيث كان قاربه يبحر، وشباكه تغوص في أعماق البحر، ينتظر لحظة امتلائها بالأسماك ليعود بخيرٍ وفير يعتاش منه وأفراد عائلته.

رحلةٌ تحولت متعتها إلى جحيمٍ يطال أرواح صيادي غزة، يخوضون غمارها متحدين زوارق الاحتلال وعنجهية ظلمه، وقد تكون الأخيرة في حياتهم، بفعل الاستهداف والقصف الإسرائيلي.

في مواجهة ظروفٍ أقسى من ركوب أمواج البحر، ومواجهة زوارق الاحتلال التي تُطلق نيران رشاشاتها وقذائفها تجاه شِباكٍ تحمل أحلام عائلة بخيرٍ حُرموا منه طوال أشهر الحرب، يبقى الهدف الرئيس هو الصياد الذي خاطر بحياته من أجل لقمة عيشٍ مغمسة بالدم.

ويعاني قطاع الصيد البحري، كغيره من القطاعات الحيوية الاقتصادية في غزة، من تضررٍ كبير جراء حرب الإبادة المستمرة على القطاع منذ نحو (21 شهرًا).

ووفق البيانات الرسمية لوزارة الزراعة في غزة، فإن جيش الاحتلال قتل خلال حرب الإبادة ما يزيد عن (200 صياد)، وتسبب بفقدان نحو (4 آلاف و600 طن) من إجمالي كمية الإنتاج السمكي، بقيمة (20 مليونًا و129 ألف دولار).

ودمّر الاحتلال (270 غرفة) للصيادين من أصل (300)، و(1800 مركب) من أصل (2000)، إلى جانب تدمير ميناء غزة الرئيس و(5 مراسي) بالكامل.

ويعمل صيادو غزة اليوم على قوارب بدائية صنعوها بأنفسهم وبمواد خام. يقول الصياد البحري رائد النجار إن “تكلفة بناء هذه القوارب أضعاف تكلفة القارب الكبير، مع عدم وجود وسائل حماية تمنع تسلل الماء إلى القارب”.

ويضيف: “كل يوم هناك اعتقالات، وشهداء من الصيادين، هناك حرق لمراكبنا البدائية التي صنعناها بعدما تم تدمير مراكب الصيد الكبيرة وقوارب اللانشات ذات المحركات، إذ لم يبقَ أي محرك أو قارب صيد كبير من المعدات الثقيلة في غزة، لقد عدنا إلى نقطة الصفر”.

يتابع في حديثه لـ “قدس برس”: “نحاول تأمين قوت أطفالنا، أي شبكة بتطلع وفيها سمك بتكون رزق يتم تقسيمه على عدد من الصيادين المشتركين في نفس القارب”.

وكغيره من الصيادين، فقد النجار مركبه وشباكه في عرض البحر، ليسارع مع دخول هدنة (كانون الأول/ يناير 2025)، إلى شراء شباك لصيد الربيان، وقد كلّفه الأمر الكثير من المال، لكن الاحتلال لم يمنحه الكثير من الوقت للاستفادة من هذا الرزق، إذ لاحقه طرّاد سريع تابع للاحتلال يُطلق عليه الصيادون اسم “أبو العباس”، وأطلق النار عليه فأُصيب في قدمه.

جميع صيادي غزة يعرفون ماذا يعني أن يروا الطراد الإسرائيلي “أبو العباس”، فهذا الزورق السريع جدًا يحمل على متنه طاقمًا من عدة جنود يرون الصيادين أهدافًا يجب إطلاق النار عليها.

يردف النجار: “عندما يأتي هذا الزورق، يهرب الجميع إلى الشاطئ، نترك شباكنا ومعداتنا في البحر، ونُلقي بأنفسنا في الماء ونعود إلى الشاطئ سباحة، هربًا من القذائف الصاروخية التي كانت تنهال علينا”.

ولا يختلف الحال كثيرًا عند الصياد نائل الهسي، الذي يقول: “أعمل في مهنة الصيد منذ الصغر، ولم أواجه صعوبات كما اليوم، مجرد ركوبنا القوارب والإبحار لمسافة لا تتعدى (500 متر)، تبدأ زوارق الاحتلال بإطلاق رشاشاتها تجاهنا”.

ويضيف في حديثه لـ “قدس برس”: “تتحول رحلة الصيد وجلب الرزق إلى رحلة نجاة من الموت، لأن الرصاص والقذائف تأتي من كل حدب وصوب، وعليك أن تنجو بروحك، وإلا أكلتك أمواج البحر ورمتك بعيدًا عن شاطئك”.

ويشير إلى أن الصيد في وقت الحرب يكون ضمن مسافة قليلة لا تشكل أي خطر على جيش الاحتلال، لكنه يتعمد استهدافهم في محاولة لتضييق سبل الحياة المعدومة.

ويردف الهسي: “نعمل وسط مخاوف من أن يتم اعتقالنا أو إصابتنا، وهذه مخاطر نواجهها بمصيرٍ مجهول لا يعلمه إلا الله”.

وأكد نقيب الصيادين في قطاع غزة، زكريا بكر، أن عددًا محدودًا من الصيادين لا يتجاوز بضع مئات ما زالوا يعملون الآن في بحر غزة على قوارب صغيرة تُعرف بـ “حسكات”.

ويقول بكر: “نتيجة لحرب التجويع والحاجة لتأمين قوت أبنائهم وتوفير الغذاء، يقصد الصيادون البحر بقوارب صغيرة ولمسافات قصيرة، ورغم ذلك فإن زوارق الاحتلال الحربية تطلق النار والقذائف الصاروخية باتجاه الصيادين، وقد أدى ذلك إلى استشهاد عدد منهم، وخلال الشهرين الماضيين فقدنا الكثير من الصيادين شهداء داخل البحر”.

ويضيف: “الأيام الأخيرة شهدت تغيير الاحتلال لأساليبه الإجرامية ضد الصيادين، ومن ذلك تنفيذ اعتقالات في مناطق قريبة من الشواطئ، ويتزامن ذلك مع مواصلة قتل الصيادين على طول الساحل”.

ويشدد: “يمكن للجميع أن يشاهد الزوارق الحربية الضخمة وهي تنقضُّ على الحسكات الصغيرة من مسافة قريبة على شاطئ البحر، حتى إننا وثقنا خلال الأسبوع الحالي اعتقال ما يقارب (15 صيادًا)”.

ولا يجد بكر تفسيرًا لإقدام الاحتلال على ممارسة الاعتقال بكثرة خلال الفترة الأخيرة، قائلاً: “يتزامن ذلك مع مواصلة قتل الصيادين على طول ساحل قطاع غزة في كل المحافظات يوميًا، فالزوارق الحربية تطلق النار والقذائف على مدار الساعة باتجاه المراكب الصغيرة القريبة من الشواطئ، وحتى المواطن الفلسطيني الذي يريد أن يهرب من الحر وينزل البحر بات هو الآخر ضمن بنك الأهداف الإسرائيلية”.

ومنذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يواصل الاحتلال الإسرائيلي، وبدعم أمريكي مطلق، عدوانه على قطاع غزة، في حملة وُصفت دوليًا بأنها إبادة جماعية، تتضمن القتل والتجويع والتدمير والتهجير، رغم أوامر محكمة العدل الدولية بوقف العمليات والامتثال للقانون الدولي.

وخلّف العدوان أكثر من (213 ألف فلسطيني) بين شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على (9 آلاف مفقود)، بجانب مئات آلاف النازحين.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY