من السماء تبدو غزة مختلفة؛ شوارع كانت تعج بالحياة، وأحياء تتداخل فيها المنازل والأسواق والمدارس، تظهر في صور الأقمار الصناعية الحديثة وقد فقدت كثيرًا من ملامحها.
وتقدم تحديثات خرائط جوجل (Google Maps) لصور قطاع غزة، التي تتضمن لقطات التُقطت خلال شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير الماضيين، مشهدًا واسعًا لحجم التغيرات العمرانية التي فرضتها الحرب على القطاع.
فالصور الجديدة لا تنقل أصوات الغارات ولا لحظات النزوح، لكنها توثق الأثر المكاني للحرب؛ إذ تظهر مساحات عمرانية واسعة تعرضت لدمار شديد، ومبانٍ اختفت أو تحولت إلى أنقاض، وأحياء تغيرت كثافتها بصورة يمكن ملاحظتها عند مقارنتها بالصور الأقدم.
وفي رفح، تبدو آثار الدمار بصورة لافتة، ولا سيما في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية واسعة، فيما تظهر في أجزاء من خان يونس ومدينة غزة مساحات واسعة من المباني المتضررة، إلى جانب تغيرات واضحة في شبكة الطرق والمناطق السكنية.
ولا تقف دلالة هذه الصور عند حجم الضرر المادي؛ فخلف كل مبنى اختفى من المشهد حياة كانت قائمة: منزل لعائلة، ومدرسة لأطفال، ومتجر كان مصدر رزق، أو شارع اعتاد السكان المرور فيه يوميًا. لذلك تبدو غزة في صور الأقمار الصناعية وكأنها خريطة لذاكرة عمرانية تتآكل أمام العين.
وتشير تقييمات أممية تستند إلى صور الأقمار الصناعية إلى حجم واسع من الأضرار التي لحقت بالمباني والمنشآت في قطاع غزة، بما يعكس أن المشهد الذي تظهره الخرائط لا يتعلق بتغيرات موضعية، وإنما بدمار عمراني واسع النطاق.
الثوابتة: الصور شواهد على حجم الدمار
وقال مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، إن ما كشفت عنه التحديثات الأخيرة لخرائط جوجل خلال شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير الماضيين، وما توثقه من حجم الدمار في قطاع غزة، يمثل “انعكاسًا مرئيًا وموثقًا لما يعيشه القطاع على الأرض”، معتبرًا أنها توثق، بحسب وصفه، حجم الدمار الذي خلفته الحرب الإسرائيلية.
وأضاف الثوابتة، في حديث لـ”قدس برس”، أن “هذه الصور لا تحتاج إلى تفسير؛ فهي شواهد حية على جريمة تدمير شامل استهدفت البنية التحتية، والأحياء السكنية، ومقومات الحياة الأساسية”.
وأوضح أن التقديرات الموثقة تشير، وفق قوله، إلى تعرض قطاع غزة لدمار واسع، مشيرًا إلى أن كمية الركام الناتجة عن القصف والتدمير بلغت أكثر من 42 مليون طن.
وقال إن هذا الرقم لا يمثل مجرد أنقاض مبانٍ، وإنما يشمل، وفق تقديراته، أحياءً كاملة ومدارس ومستشفيات ومنازل دُمرت، مضيفًا أن ذلك أدى إلى تدمير نحو 80 بالمئة من القطاع السكني، بينها 150 ألف وحدة سكنية دُمرت بالكامل، و80 ألف وحدة أخرى باتت غير صالحة للسكن.
وأشار الثوابتة إلى أن إزالة الركام عملية معقدة ومحفوفة بالمخاطر، نظرًا إلى احتمال احتوائه على كميات من الذخائر غير المنفجرة والمتفجرات، ما يشكل خطرًا على حياة المدنيين ويعيق جهود الإغاثة وإعادة الإعمار.
وأوضح أن التعامل مع هذه المخاطر يتطلب فرقًا هندسية متخصصة ومعدات لا تتوفر حاليًا بالقدر الكافي في القطاع، لافتًا إلى أن إزالة هذه الكميات الهائلة من الركام، في ظل الإمكانات الحالية، تمثل عملية شاقة وطويلة الأمد.
وقال إن التقديرات تشير إلى أن إزالة الركام قد تستغرق أكثر من عشر سنوات، وإن توفير المعدات والإمكانات اللازمة قد يتطلب سنوات طويلة وتكاليف باهظة، تُقدّر بنحو مليار دولار لعملية الإزالة وحدها.
وحذر من أن التباطؤ في توفير الآليات والمعدات الثقيلة اللازمة لرفع الأنقاض وإزالة الركام يسهم، بحسب قوله، في إطالة أمد المعاناة الإنسانية وتأخير عودة الحياة إلى طبيعتها.
وطالب المجتمع الدولي بالتدخل العاجل، ليس فقط لتوثيق آثار الحرب عبر الأقمار الصناعية، وإنما للعمل على إدخال طواقم هندسية دولية متخصصة ومعدات ثقيلة وفرق مختصة بالتعامل مع المتفجرات والذخائر غير المنفجرة، باعتبار ذلك خطوة أساسية نحو إزالة الركام والبدء بإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
مهنا: أكثر من 68 مليون طن من الركام وفق تقديرات أولية
وفي السياق، قال المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، إن ما أظهرته خرائط جوجل من حجم الدمار الذي لحق بقطاع غزة نتيجة الحرب منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، يؤكد، وفق تقديره، أن حجم الدمار “مهول جدًا وكبير جدًا”.
وأضاف في حديثه لـ”قدس برس”، أن التقديرات الأولية لدى البلدية تشير إلى وجود أكثر من 68 مليون طن من الركام حتى الآن.
وقال إن الصور، مهما أوضحت حجم الدمار، لا تعكس بصورة كاملة صعوبة الواقع على الأرض، مضيفًا: “فنحن نتحدث عن دمار كبير في البنية التحتية، ودمار كبير في المباني السكنية، ودمار كبير في كل ما يمكن أن يتخيله العقل البشري في قطاع غزة بفعل آلة الحرب الإسرائيلية”.
وأشار إلى حاجة قطاع غزة إلى أعداد كبيرة من الآليات الثقيلة والمتخصصة والمعدات اللازمة للتعامل مع كميات الأنقاض والركام المنتشرة في مختلف أنحاء القطاع.
وأوضح أن ما أظهرته خرائط جوجل يؤكد، بحسب قوله، حجم القوة المستخدمة في الحرب على القطاع، مشيرًا إلى أن أكثر من 85 بالمئة من البنية التحتية تعرضت للدمار، إضافة إلى تدمير مئات الآلاف من الوحدات والمباني السكنية، ومسح مربعات سكنية كاملة.
وشدد مهنا على أن هذا الدمار يتسبب في معاناة كبيرة للسكان والنازحين في قطاع غزة، قائلًا: “لقد أطلقنا العديد من صرخات الاستغاثة والمناشدات من أجل وقف الحرب، ووقف استنزاف الفلسطينيين، وفتح المعابر بشكل كامل، وإدخال كل ما يلزم البلديات والمؤسسات الخدمية وجهاز الدفاع المدني الفلسطيني، من أجل البدء بالتعامل مع كميات الركام الهائلة”.
وأضاف: “نحن نحتاج إلى معدات خاصة غير موجودة اليوم في قطاع غزة، ومفقودة نتيجة التدمير الممنهج للآليات والمعدات التي دُمرت خلال الحرب”.
وبينما تكشف صور الأقمار الصناعية حجم التغير الذي طرأ على المشهد العمراني في غزة، يبقى التعامل مع آثار هذا الدمار تحديًا يتجاوز إزالة الأنقاض، إلى معالجة تداعيات إنسانية وخدمية وعمرانية واسعة، تتطلب إمكانات كبيرة وخططًا طويلة الأمد لإعادة الحياة إلى المناطق التي دمرتها الحرب.
ومنذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ارتفعت الحصيلة الإجمالية إلى نحو 74,040 شهيدا و175,142 إصابة، وفق البيانات الفلسطينية.
وخلفت الإبادة أكثر من 249 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلا عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخريطة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY