Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

سكابيوس… أداة تعذيب مسكوت عنها في سجون الاحتلال

قصص تُحكى وروايات تُقال تعجز الأقلام عن كتابتها؛ حكة تحرم الأسرى النوم، ودمامل تعجزهم عن الحركة، ومرض يصل بهم إلى العجز عن أداء الصلاة.. شهادات تكشف الوجه الآخر لمرض ينتشر خلف القضبان، في سجون الاحتلال التي يُسكت فيها عن كثير مما يحدث خلف القضبان.

لم يكن السكابيوس، أو مرض الجرب، بالنسبة إلى أسرى فلسطينيين مجرد إصابة جلدية يمكن علاجها ببعض الأدوية. ففي السجن، حيث الاكتظاظ ونقص النظافة والملابس ومستلزمات الاستحمام، وحيث تبدو الرعاية الطبية محدودة ومتأخرة وفق شهادات الأسرى، تحولت الإصابة إلى معاناة يومية تستنزف الجسد وتنتزع من الأسير أبسط تفاصيل حياته.

استمعت “قدس برس” إلى شهادات لأسرى عايشوا الإصابة، تكشف ثلاث صور مختلفة للمعاناة؛ أسير يفقد النوم بسبب الحكة، وآخر يصبح عاجزًا عن الحركة، وثالث يصل به المرض إلى عدم القدرة على الوقوف لأداء الصلاة.

ليالٍ بلا نوم

كان الأسير (ق. س)، البالغ 28 عامًا، يعيش في سجن النقب حين اشتدت إصابته بالسكابيوس. وانتشر المرض في أجزاء واسعة من جسده، ولم تعد الحكة مجرد شعور مزعج، بل تحولت إلى ألم متواصل يحاصره ليلًا ونهارًا.

ويروي الأسير المحرر، الذي فضل عدم ذكر اسمه، حكايته مع السكابيوس، وقد بدت آثار المرض واضحة على جسده، إضافة إلى عدد من الأسرى الموجودين معه في المكان نفسه، مشيرًا إلى وجود جروح ودمامل لدى بعضهم، وصل بعضها إلى النزف وخروج القيح.

لكن أكثر ما أنهك الأسير، بحسب شهادته، كان فقدان النوم؛ فكلما حاول الاستراحة عادت الحكة لتوقظه، فيما لم يشعر بأن طلباته للحصول على العلاج وجدت الاستجابة التي يحتاج إليها.

ويختم الأسير قوله: “كان السكابيوس يعني أن الليل لم يعد وقتًا للراحة، بل امتدادًا للألم الذي يرافقه طوال اليوم”.

من الحكة إلى العجز

أما الأسير أبو تيم، كما كنى نفسه وفضل هو الآخر عدم ذكر اسمه، من مدينة بيت لحم جنوبي الضفة، فيقدم صورة أكثر قسوة لتطور المرض؛ إذ بدأت إصابته بحكة وبثور، لكنها سرعان ما انتشرت في أنحاء جسده، قبل أن تتحول إلى دمامل وتقرحات وجروح والتهابات مؤلمة.

ومع تفاقم حالته، لم يعد أبو تيم قادرًا على الحركة بصورة طبيعية، وأصبح بحاجة إلى مساعدة الأسرى المحيطين به في تناول الطعام والاستحمام، بعدما بات القيام بالاحتياجات اليومية أمرًا شاقًا عليه.

ويشير إلى أن الألم لم يعد المشكلة وحدها؛ فالمرض سلبه جزءًا من استقلاليته داخل السجن، وحوله من شخص قادر على تدبير شؤونه إلى أسير يحتاج إلى مساعدة الآخرين في أبسط تفاصيل يومه.

ووصف تجربته مع المرض بأنها من أقسى ما مر به في حياته، في شهادة تختصر كيف يمكن لإصابة جلدية أن تتخذ أبعادًا مختلفة عندما تقع داخل بيئة مغلقة تفتقر إلى شروط التعافي الطبيعية.

عجز عن الحركة

ويقص أسير محرر آخر من مدينة نابلس شمالي الضفة شهادة تكشف جانبًا آخر من القضية؛ ليس الألم وحده، وإنما طول المعاناة وبقاء تفاصيلها بعيدة عن الأسرة.

ويشير الأسير المحرر، الذي أمضى عدة أشهر في الاعتقال الإداري، إلى أن إصابته بالسكابيوس كانت خلال وجوده في سجن النقب، قبل نقله إلى سجن ريمون. ومع مرور الوقت، اتسعت الإصابة وظهرت الدمامل والتقرحات والجروح والالتهابات في جسده.

ويكشف الأسير عن تدهور كبير في حالته الصحية، إلى درجة أصبح معها عاجزًا عن الحركة وملازمًا لفراشه معظم الوقت. ومع اشتداد المرض، لم يعد قادرًا حتى على الوقوف لأداء الصلاة، واضطر إلى أدائها وهو في مكانه.

ذلك التفصيل يكشف حجم التمدد الذي أحدثه المرض في حياته اليومية؛ فالإصابة لم تعد محصورة في الجلد، وإنما أصبحت تحد من حركته ونومه ونظافته وقدرته على ممارسة عبادته.

تفشي المرض بين الأسيرات

وقبل أيام، أكد نادي الأسير الفلسطيني (حقوقي مستقل)، استنادًا إلى زيارات أجرتها مؤسسات حقوقية للأسيرات مؤخرًا، تسجيل إصابات بمرض الجرب (السكابيوس) بين صفوف الأسيرات في سجن “الدامون”، حيث تأكدت إصابة ما لا يقل عن عشر أسيرات بالمرض، من أصل أكثر من 90 أسيرة يحتجزهن الاحتلال في السجن، علمًا أن من بينهن حوامل وطفلات وأسيرات يعانين مشكلات صحية مزمنة.

وأوضح نادي الأسير، في بيان له، أن تفشي الجرب بين الأسيرات في هذه المرحلة يرتبط بصورة مباشرة بالظروف الصحية والإنسانية القاسية التي تفرضها إدارة سجون الاحتلال، وفي مقدمتها الرطوبة العالية وشح مواد التنظيف، والاكتظاظ داخل الغرف والزنازين، وانعدام التهوية الكافية، والنقص الحاد في الملابس، وهي الظروف ذاتها التي أسهمت في انتشار المرض على نطاق واسع بين الأسرى منذ أيار/مايو 2024.

وأكد أن استمرار انتشار المرض، رغم مرور أكثر من عامين على رصده، يعكس غياب أي معالجة جدية من منظومة السجون الإسرائيلية للأسباب التي تقف وراء تفشيه، مشيرًا إلى أنه رغم الجهود التي بذلتها مؤسسات مختصة، ومنها منظمة “أطباء لحقوق الإنسان”، وتقديمها عدة التماسات للمطالبة بتوفير العلاج للأسرى المصابين ومعالجة الظروف المسببة للمرض، بقيت الاستجابة الإسرائيلية محدودة، ولم تؤدِّ إلى وقف انتشاره أو توفير حماية حقيقية للأسرى.

وأشار نادي الأسير إلى أن الجرب لم يعد مجرد مرض جلدي عابر في سجون الاحتلال، بل تحول، في ظل الحرمان من العلاج واستمرار الظروف المسببة له، إلى خطر حقيقي على حياة الأسرى، وأسهم في حالات عديدة في تفاقم أوضاعهم الصحية، ووصل في بعض الحالات إلى مضاعفات خطيرة انتهت باستشهاد أسرى.

وبين أن عددًا كبيرًا من الأسرى أصيبوا بالمرض وتعافوا منه جزئيًا، قبل أن يتعرضوا للإصابة مجددًا نتيجة استمرار الظروف ذاتها داخل السجون، فيما يعاني آخرون المرض منذ أشهر، وتجاوزت مدة إصابة بعضهم خمسة أشهر متواصلة، من دون تلقي علاج فعلي أو تدخل طبي جاد.

وأكد نادي الأسير أن إدارة سجون الاحتلال تواصل فرض ظروف تشكل بيئة مثالية لاستمرار انتشار المرض، من خلال الحرمان من أدوات النظافة الشخصية، والاكتظاظ الخانق داخل الغرف، وانعدام التهوية والحرمان من التعرض لأشعة الشمس، فضلًا عن النقص الحاد في الملابس، ما يضطر الأسرى في كثير من الأحيان إلى غسل ملابسهم وإعادة ارتدائها وهي مبللة، في ظروف تحط من كرامتهم الإنسانية وتفاقم أوضاعهم الصحية.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY