في تقرير موسّع نشرته منظمة “بتسيلم” الحقوقية الإسرائيلية بعنوان “مرحبًا بكم في الجحيم: منظومة السجون شبكة معسكرات تعذيب”، تم توثيق شهادات 55 أسيرًا فلسطينيًا تعرضوا لانتهاكات جسيمة في السجون الإسرائيلية عقب السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
من بين هذه الشهادات، أفاد رشدي ظاظا (30 عامًا) من غزة بتعرضه لصعقة كهربائية أثناء التحقيق في سجن النقب، حين سُئل عن مكان وجود زعيم حركة “حماس” آنذاك، يحيى السنوار. وأثناء إجابته، تلقى صعقة كهربائية دفعته مترين إلى الأمام. كما أشار إلى مصادرة الطعام الذي اشتراه من “الكانتينة”، في ما اعتبره سياسة تضييق متعمدة.
أما فؤاد حسن (45 عامًا) من نابلس، فقد روى لحظة وصوله إلى سجن “مجيدو”، قائلاً: “عندما نزلنا من الحافلة، قال لنا أحد السجانين: أهلًا بكم في جهنم”، في تعبير صارخ عن الأجواء القمعية السائدة داخل السجون.
وفي سياق متصل، أفادت تقارير إعلامية بأن وزير أمن الاحتلال الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، أشرف شخصيًا على عمليات التنكيل بالأسرى الفلسطينيين في سجن “عوفر”، حيث ظهر في مقاطع فيديو وهو يتجول داخل الزنازين، ما أثار تساؤلات حول مسؤوليته المباشرة عن هذه الانتهاكات. وفي تصريح له، قال بن غفير: “أوضاع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية ساءت بالفعل… أوقفنا الكانتين وأنا فخور بذلك وليس لدي نية للخضوع لإملاءات حماس”، في تأكيد على توجهه القمعي تجاه الأسرى.
تُظهر هذه الشهادات والتصريحات تصاعدًا ملحوظًا في السياسات القمعية ضد الأسرى الفلسطينيين بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تحت إشراف مباشر من بن غفير، ما يستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا للضغط على إسرائيل لوقف هذه الانتهاكات وضمان حقوق الأسرى، وفقًا لتقرير “بتسيلم”.
أرقام صادمة: واقع الأسرى بعد الحرب
تشير إحصاءات “هيئة الأسرى والمحررين” التابعة للسلطة الفلسطينية إلى أن عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال تجاوز 12 ألفًا بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بينهم أكثر من 5 آلاف معتقل من قطاع غزة. كما بلغ عدد المعتقلين الإداريين نحو 3,398 معتقلًا، وهو أعلى رقم منذ الانتفاضة الأولى عام 1986.
أما الأطفال الأسرى، فقد تجاوز عددهم 270 طفلًا، فيما بلغ عدد النساء الأسيرات أكثر من 95 أسيرة. وتجاوز عدد الأسرى المرضى 800 حالة، في ظل حرمانهم من الرعاية الطبية اللازمة.
وفيما يتعلق بالصحفيين، بلغ عددهم 56 صحفيًا، 45 منهم اعتُقلوا بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وفقًا لنادي الأسير الفلسطيني. أما الوفيات في صفوف الأسرى، فقد استشهد 62 أسيرًا منذ ذلك التاريخ، بحسب منصة توثيق واقع الأسرى.
تقارير دولية: انتهاكات ممنهجة
كشفت سلسلة من التقارير الحقوقية الدولية والإسرائيلية والأممية عن تدهور غير مسبوق في أوضاع الأسرى الفلسطينيين منذ اندلاع الحرب في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مع ارتفاع أعداد المعتقلين وتزايد شهادات التعذيب والحرمان من الحقوق الأساسية.
ففي تموز/يوليو 2024، أكدت منظمة العفو الدولية (Amnesty) أن آلاف الفلسطينيين من سكان غزة يُحتجزون دون تُهم أو محاكمات بموجب قانون “المقاتلون غير الشرعيين”، مع منعهم من التواصل مع المحامين وعائلاتهم، وتوثيق شهادات موسّعة عن التعذيب وسوء المعاملة.
وسجّل التقرير السنوي لـ “هيومن رايتس ووتش” لعام 2024 اتساعًا في الاعتقالات والاحتجاز الإداري، وحرمان المعتقلين من الحقوق الإجرائية. كما خصصت المنظمة تقريرًا في آب/أغسطس 2024 بعنوان “تعذيب العاملين الصحيين الفلسطينيين”، وثّقت فيه ضرب وإذلال الممرضين والأطباء، وحرمانهم من الرعاية، بما في ذلك اعتداءات جنسية مزعومة.
وفي حزيران/يوليو 2025، رصدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة (Human Rights Council) أنماطًا متكررة من الاعتقال والانتهاكات بحق المحتجزين الفلسطينيين ضمن النزاع بعد 7 أكتوبر. كما نبّه الأمين العام للأمم المتحدة في إحاطة أممية حديثة (آب/أغسطس 2025) إلى مزاعم عنف جنسي ضد محتجزين فلسطينيين على يد قوات إسرائيلية، رغم النفي الرسمي من “إسرائيل”.
تفشي الأمراض وسوء المعاملة
سلّطت صحيفة /تايمز أوف إسرائيل/ الضوء في تموز/يوليو 2025 على تفشّي مرض الجرب “إسكابيوس” بين الأسرى الفلسطينيين نتيجة الاكتظاظ وسوء الظروف الصحية. وفي آذار/مارس 2025، وثّقت صحيفة /الغارديان/ شهادات لمفرَج عنهم من غزة تحدثوا عن أشهر من العزل التام، دون إبلاغهم بمقتل أقاربهم خلال فترة الاحتجاز.
وأشارت الصحيفة إلى أن السلطات الإسرائيلية حوّلت قاعدة “سدي تيمان” العسكرية في النقب إلى معسكر احتجاز لآلاف الفلسطينيين من غزة بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث يُحتجزون في حظائر وخيام، وهم مكبّلو الأيدي ومعصوبو الأعين بشكل دائم.
وكشفت صحيفة /هآرتس/ أن 27 معتقلًا من غزة توفّوا في “سدي تيمان” وسجون أخرى منذ بداية العدوان الإسرائيلي على القطاع.
دعوة عاجلة للتحرك الدولي
ترسم هذه الشهادات والتقارير المتقاطعة دوليًا وإسرائيليًا وأمميًا صورة مرعبة لوضع الأسرى الفلسطينيين: اعتقالات جماعية، غياب للمحاكمات العادلة، تعذيب ممنهج، إهمال طبي، وتضييق إنساني غير مسبوق. وتؤكد جميع المصادر الحاجة الملحة لتحرك دولي عاجل يضع ملف الأسرى الفلسطينيين في صدارة أجندة العدالة والمساءلة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY