أعاد اعتقال قوات الاحتلال الإسرائيلي الصحفي الفلسطيني سامر خويرة، فجر الاثنين 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، من منزله في مدينة نابلس، تسليط الضوء على سجل طويل من الملاحقات التي تعرض لها خلال السنوات الماضية، سواء من سلطات الاحتلال التي أمضى في سجونها نحو تسعة أشهر رهن الاعتقال الإداري، أو من الأجهزة الأمنية الفلسطينية، على خلفية عمله الصحفي وتناوله قضايا تتصل بالشأن الفلسطيني الداخلي.
ولم يأتِ اعتقاله الأخير، بعد أقل من عشرة أشهر على الإفراج عنه، بمعزل عن سلسلة من الاستهدافات التي واجهها، إذ سبقته حملة تحريض وتهديد على خلفية حلقة بودكاست تناولت أداء السلطة الفلسطينية وقضايا الفساد، أعقبها استدعاؤه من جهاز المخابرات العامة الفلسطينية أكثر من مرة، في تطورات أثارت مخاوف بشأن سلامته وحرية عمله الصحفي.
من الاعتقال الإداري إلى الإفراج
وتعود أحدث محطات الاعتقال الإسرائيلي بحق خويرة إلى العاشر من نيسان/أبريل 2025، حين اقتحمت قوات الاحتلال منزله في مدينة نابلس واعتقلته، بعدما اقتحمت منزل أحد جيرانه في البداية، وفق رواية زوجته إيمان عامر، التي أوضحت أن الجنود تأكدوا من هويته الصحفية قبل تقييد يديه وتعصيب عينيه واقتياده إلى جهة مجهولة.
وبعد نحو أسبوعين من اعتقاله، وتحديداً في 23 نيسان/أبريل 2025، أصدرت سلطات الاحتلال قراراً بتحويله إلى الاعتقال الإداري لمدة ثلاثة أشهر، دون توجيه تهمة محددة إليه، قبل أن تجدد اعتقاله في تموز/يوليو من العام ذاته لثلاثة أشهر إضافية، ثم تصدر قراراً ثالثاً بتجديد اعتقاله في تشرين الأول/أكتوبر 2025، وفق ما وثقته تقارير صحفية ومؤسسات معنية بحرية الصحافة.
وخلال فترة اعتقاله، تنقل خويرة بين مراكز التحقيق والسجون الإسرائيلية، وأمضى فترات في سجن نفحة وغيره من السجون، فيما لم تتمكن عائلته من الاطمئنان على ظروف احتجازه، وسط مخاوف بشأن وضعه الصحي، ولا سيما مع استمرار تمديد اعتقاله دون محاكمة.
وفي السابع من كانون الثاني/يناير 2026، أفرجت سلطات الاحتلال عنه بعد نحو تسعة أشهر من الاعتقال الإداري، وقد بدا عليه الإرهاق وفقدان واضح للوزن، فضلاً عن معاناته من مرض جلدي، ما استدعى نقله إلى مستشفى النجاح الوطني الجامعي في نابلس لإجراء الفحوصات الطبية والاطمئنان على وضعه الصحي.
ملاحقات فلسطينية سابقة
ولم تقتصر ملاحقة خويرة على سلطات الاحتلال، إذ تشير عائلته إلى تعرضه سابقاً للاعتداء والاعتقال من قبل عناصر أمن فلسطينية، في 14 حزيران/يونيو 2022، أثناء تغطيته تداعيات الأحداث التي شهدتها جامعة النجاح الوطنية، والاعتداء على عدد من الطلبة.
كما تعرض، بحسب عائلته، لعشرات الاستدعاءات والاعتقالات خلال السنوات الأخيرة، على خلفية عمله الصحفي وتغطيته قضايا تتصل بالشأن الفلسطيني الداخلي.
حملة تحريض واستدعاءات على خلفية بودكاست
وعادت قضية الملاحقات من الجانب الفلسطيني إلى الواجهة في تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعد تعرض خويرة لحملة تحريض وتهديد عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إثر تقديمه حلقة بودكاست لصالح إحدى الشبكات الإعلامية، استضاف خلالها عضو المجلس التشريعي الفلسطيني السابق معاوية المصري، وتناول فيها اتفاق “أوسلو” وأداء السلطة الفلسطينية وقضايا الفساد وتداعياتها على المشروع الوطني.
وبحسب إفادة خويرة لمركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية “سكايز”، بدأت حملة التحريض في 14 تشرين الأول/أكتوبر، وتصاعدت خلال يومي السبت والأحد التاليين، عبر حسابات قال إنها تعود إلى عناصر في حركة “فتح” والأجهزة الأمنية الفلسطينية، وتضمنت دعوات إلى اعتقاله وإيذائه ومنعه من ممارسة عمله الصحفي، وصولاً إلى منشور دعا إلى إطلاق النار على ركبتيه.
ولم تتوقف القضية عند حدود التحريض الإلكتروني، إذ أصدر المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية “مدى”، في 18 تشرين الأول/أكتوبر، بياناً أدان فيه حملة التهديد التي استهدفت خويرة، وطالب بمحاسبة المسؤولين عنها، محذراً من خطورة الدعوات إلى الاعتداء الجسدي على الصحفيين بسبب عملهم الإعلامي.
وفي تطور لاحق، استدعاه جهاز المخابرات العامة الفلسطينية، الأحد الأول من تشرين الثاني/نوفمبر، للمرة الثانية خلال نحو أسبوعين، وذلك قبل يوم واحد من اعتقال قوات الاحتلال له من منزله في نابلس.
“قدس بودكاست”.. الأسرى في دائرة الضوء
وقبل أيام قليلة من إعادة اعتقاله، واصل خويرة تسليط الضوء على ملف الأسرى الفلسطينيين، من خلال حلقة جديدة من “قدس بودكاست”، استضاف فيها المحامي حسن عبادي، الذي نقل شهادات عن أوضاع الأسرى والأسيرات داخل سجون الاحتلال، وما يتعرضون له من تنكيل وإذلال وحرمان من أبسط حقوقهم الإنسانية.
وتضمنت الحلقة روايات عن أسيرات تعرضن للضرب والإهانة، وأخريات عشن ظروفاً قاسية من العزل والحرمان، في محاولة لإيصال أصوات المعتقلين إلى خارج الزنازين، وكشف ما يجري خلف جدران السجون الإسرائيلية.
اعتقال جديد وتساؤلات متجددة
وفي فجر الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، اقتحمت قوات الاحتلال منزل خويرة في شارع عصيرة بمدينة نابلس، واعتقلته واقتادته إلى جهة مجهولة، لتتجدد بذلك ملاحقته الإسرائيلية بعد أقل من عشرة أشهر على الإفراج عنه، وفي أعقاب فترة شهدت تصاعداً في حملات التحريض والتهديد التي تعرض لها بسبب تناوله ملفات سياسية وإعلامية داخلية، إلى جانب تسليطه الضوء على قضية الأسرى والانتهاكات الإسرائيلية بحقهم.
وأثار اعتقاله تفاعلاً في الأوساط الإعلامية والحقوقية، إذ أدان منتدى الإعلاميين الفلسطينيين اعتقاله، معتبراً أنه حلقة جديدة في مسلسل استهداف الصحفيين وتقييد حرية العمل الإعلامي، فيما طالب مدير المنتدى محمد ياسين المؤسسات الدولية بالضغط للإفراج عنه، والكشف عن مكان احتجازه وضمان سلامته.
كما أثار الاعتقال تفاعلاً لدى الصحفية الإسرائيلية في صحيفة /هآرتس/ هاغار شيزاف، التي أشارت إلى أن خويرة كان قد أدلى، قبل أقل من شهر، بشهادة حول ظروف الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، معربة عن قلقها من توقيت اعتقاله.
تضامن وتحذيرات من تقييد حرية الصحافة
وأثار اعتقال خويرة موجة من التضامن والتعاطف في أوساط صحفيين ونشطاء ومواطنين، رأى بعضهم أن إعادة اعتقاله تمثل محاولة لإسكات صوت إعلامي تناول الانتهاكات بحق الأسرى، فيما اعتبر آخرون أن ما تعرض له، من حملات تحريض واستدعاءات وملاحقات، يعكس بيئة تضيق فيها مساحة العمل الصحفي، وتتعرض فيها الأصوات الناقدة لضغوط متزايدة.
وفي هذا السياق، علق الكاتب والناشط ياسين عز الدين، عبر منصة “إكس”، على اعتقال خويرة، معتبراً أن جيش الاحتلال اعتقله بعد حملة شيطنة وتحريض تعرض لها، عقب إدارته لقاءً صحفياً مع عضو المجلس التشريعي السابق معاوية المصري، نُشر عبر «قدس بودكاست».
وأشار عز الدين، في قراءته السياسية، إلى أن هذا التزامن يكشف، بحسب تقديره، تقاطع المصالح الأمنية، واصفاً العلاقة بين هذه التطورات بأنها “تكامل أدوار” لحماية المنظومة القائمة وإسكات الأصوات التي تثير قضايا الفساد.
من جانبه، رأى الناشط جاد محمد أن إعادة اعتقال الصحفي خويرة لا يمكن فصلها عن حملة التحريض والتهديد التي تعرض لها خلال الأسابيع الماضية، على خلفية تناوله ملفات حساسة تتعلق بأداء السلطة الفلسطينية وقضايا الفساد، معتبراً أن ما جرى يمثل نتيجة لمناخ التحريض الذي استهدفه، ووصل إلى حد الدعوة الصريحة لإيذائه جسدياً ومنعه من ممارسة عمله الصحفي.
أما الناشط سعد الغول، فرأى أن خويرة دفع ثمن إصراره على طرح الأسئلة وكشف ملفات يفضل البعض إبقاءها بعيدة عن النقاش العام، معتبراً أن استهدافه، سواء بالتهديد أو الملاحقة، يبعث برسالة ترهيب إلى الصحفيين والناشطين، مفادها أن الاقتراب من ملفات الفساد ومساءلة أصحاب النفوذ قد يجعلهم عرضة للاستهداف.
وبين الاعتقال الإداري في سجون الاحتلال، والاعتداءات والتحريض والاستدعاءات التي واجهها على خلفية عمله الصحفي، تتجاوز قضية سامر خويرة حدود اعتقال صحفي بعينه، لتطرح تساؤلات أوسع بشأن واقع الحريات الإعلامية في فلسطين، ومدى قدرة الصحفيين على تناول ملفات الأسرى والانتهاكات الإسرائيلية، وكذلك القضايا الداخلية، دون أن يتحول عملهم المهني إلى سبب للملاحقة أو التهديد أو الاعتقال.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY