Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

زكريا الزبيدي.. يصفق لمن يطالب “حماس” بالاعتذار عن 7 أكتوبر.. فمن أخرجه من سجون الاحتلال؟

أثارت صورة القيادي في حركة “فتح” والأسير المحرر زكريا الزبيدي، وهو يصفق خلال حديث القيادي في الحركة ماجد فرج الذي طالب حركة “حماس” بالاعتذار للشعب الفلسطيني عن أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر، جدلًا واسعًا على منصات التواصل وفي الشارع الفلسطيني، ليس فقط بسبب مضمون حديث فرج، وإنما أيضًا بسبب هوية الرجل الذي ظهر إلى جواره مصفقًا.

فالزبيدي ليس قياديًا فتحاويًا عاديًا؛ إذ ارتبط اسمه لسنوات بمخيم جنين والمقاومة والمطاردة والاعتقال في سجون الاحتلال، كما أصبح أحد أشهر الأسرى الفلسطينيين بعد مشاركته في عملية انتزاع الحرية من سجن جلبوع عام 2021، قبل أن تعيد قوات الاحتلال اعتقاله.

ومن هنا، اكتسبت الصورة الأخيرة حمولة سياسية تتجاوز لحظة التصفيق نفسها، لأنها تضع أحد أبرز رموز المقاومة في مخيم جنين داخل مشهد سياسي ينتقد حركة حماس ومسار السابع من أكتوبر.

من سجن جلبوع إلى صفقة التبادل

في 30 كانون الثاني/يناير 2025، خرج زكريا الزبيدي من سجون الاحتلال ضمن صفقة تبادل أسرى جاءت في إطار اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. ولم يكن الإفراج عنه نتيجة قرار إسرائيلي منفرد، بل جاء ضمن صفقة تفاوضية شملت أسرى فلسطينيين في مقابل أسرى ومحتجزين إسرائيليين، بعد مسار تفاوضي طويل ومعقد.

وهنا تظهر إحدى المفارقات في المشهد الحالي؛ فالزبيدي الذي عاد إلى الحرية ضمن صفقة تبادل جاءت في سياق الحرب التي اندلعت بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، يظهر اليوم في مشهد سياسي مصفقًا لماجد فرج، الذي يطالب حركة “حماس” بالاعتذار للشعب الفلسطيني عن أحداث 7 أكتوبر.

ولا يعني ذلك أن الإفراج عن الزبيدي كان نتيجة مباشرة للعملية وحدها، أو أن الصفقة يمكن اختزالها في حدث واحد، فهي نتاج مفاوضات شاركت فيها أطراف متعددة. لكن الثابت أن إطلاق سراحه جاء ضمن صفقة تبادل ارتبطت باتفاق وقف إطلاق النار الذي أعقب الحرب.

وهنا يبرز سؤال سياسي لا يمكن تجاهله: كيف يقرأ الزبيدي اليوم العلاقة بين 7 أكتوبر والحرب التي أعقبته، وبين تلك الحرب وصفقة التبادل التي أعادته إلى الحرية بعد سنوات في سجون الاحتلال؟

من رمز المقاومة إلى قيادة فتح

المفارقة لا تتعلق بصفقة التبادل وحدها، بل بالمسار السياسي الذي سلكه الزبيدي بعد خروجه من السجن.

ففي أيار/مايو 2026، انتُخب عضوًا في اللجنة المركزية لحركة “فتح” خلال المؤتمر الثامن للحركة، لينتقل بذلك من موقع الأسير المحرر وأحد رموز المقاومة في مخيم جنين إلى موقع قيادي متقدم داخل الحركة.

ويحمل هذا الانتقال دلالة خاصة في حالة الزبيدي؛ لأن صورته السياسية طوال سنوات لم تكن مرتبطة فقط بحركة “فتح”، وإنما بالمقاومة المسلحة في مخيم جنين، والمطاردة الإسرائيلية، ثم بعملية الهروب من سجن جلبوع وإعادة اعتقاله.

أما اليوم، فأصبح الرجل جزءًا من أعلى هيئة قيادية في حركة تقود السلطة الفلسطينية وتدير مؤسساتها السياسية والأمنية.

وبذلك يجد الزبيدي نفسه في موقع مختلف عن ذلك الذي عرفه فيه الفلسطينيون خلال سنوات الانتفاضة والمطاردة. وهو تحول يفتح الباب أمام قراءة أوسع للتغيرات داخل حركة “فتح” نفسها، وكيف تحاول الحركة الجمع بين إرثها المقاوم وتاريخ شخصياتها الميدانية وبين موقعها الحالي كحركة تقود السلطة الفلسطينية.

ماجد فرج.. شريك المشهد الجديد

تزداد دلالة الصورة بسبب الشخص الذي كان يتحدث عندما ظهر الزبيدي مصفقًا؛ فماجد فرج يعد من أبرز الشخصيات السياسية والأمنية في السلطة الفلسطينية، وهو أيضًا عضو في اللجنة المركزية لحركة “فتح”، وبالتالي فإن وجود الرجلين في المشهد نفسه لا ينفصل عن الترتيبات القيادية الجديدة داخل الحركة.

ويمثل فرج في الوعي الفلسطيني صورة مختلفة عن تلك التي ارتبطت بالزبيدي لسنوات؛ فهو أحد أبرز وجوه المؤسسة الأمنية والسياسية للسلطة، بينما ارتبط اسم الزبيدي بالمقاومة والمطاردة والسجن.

واليوم يجلس الاثنان في الإطار القيادي ذاته داخل “فتح”، في وقت لا تزال فيه العلاقة بين السلطة والمقاومة من أكثر الملفات حساسية وانقسامًا في الساحة الفلسطينية.

وعندما يطالب فرج “حماس” بالاعتذار عن 7 أكتوبر، ثم يظهر الزبيدي مصفقًا لهذا الطرح، تصبح الصورة جزءًا من نقاش أكبر حول التحولات التي طرأت على شخصية الزبيدي وموقعه داخل فتح، وما إذا كان صعوده إلى مركزية الحركة يمثل تحولًا في قناعاته السياسية، أم أنه تعبير عن إعادة تموضع أوسع داخل الحركة نفسها.

محمد الزبيدي.. ذاكرة لم تغادر العائلة

لكن قصة الزبيدي مع السلطة الفلسطينية لا تبدأ من موقعه القيادي الحالي، إذ تحمل العائلة في ذاكرتها واقعة لا تزال حاضرة، تتعلق باعتقال نجله محمد الزبيدي من قبل أجهزة السلطة في جنين عام 2022.

وخلال تلك الواقعة، انتشرت مشاهد مصورة أثارت جدلًا واسعًا، وتحدثت تقارير عن تعرض محمد للضرب أثناء عملية الاعتقال، فيما أعلنت السلطة حينها تشكيل لجنة للتحقيق في الحادثة.

وبقيت الواقعة جزءًا من الذاكرة السياسية لعائلة الزبيدي، رغم مرور سنوات عليها. كما عادت زوجة زكريا إلى استحضار تلك الحادثة في منشورات لها، مؤكدة أن العائلة لم تنسَ ما جرى لابنها.

ويضيف ذلك طبقة أخرى إلى المفارقة الحالية؛ فبينما أصبح زكريا عضوًا في قيادة حركة فتح، لا تزال داخل عائلته ذاكرة مرتبطة باعتداء أجهزة السلطة على نجله.

وهذه الذاكرة لا يمكن فصلها عن تاريخ زكريا نفسه، ولا عن المكان الذي خرج منه، أي مخيم جنين، الذي ظل لسنوات إحدى أبرز بؤر المقاومة في الضفة الغربية.

“حماية وطن”.. مواجهة السلطة مع مخيم جنين

تعود هذه المفارقة أيضًا إلى حملة “حماية وطن” التي أطلقتها السلطة الفلسطينية في نهاية عام 2024 داخل مخيم جنين، وقالت إنها تهدف إلى فرض الأمن وملاحقة الخارجين عن القانون.

لكن الحملة تحولت إلى مواجهة واسعة مع مقاومين داخل المخيم، وسقط خلالها قتلى وجرحى، كما شهدت المنطقة اعتقالات واشتباكات ونزوحًا للسكان.

وبينما قدمت السلطة العملية باعتبارها إجراءً أمنيًا لفرض النظام، اعتبرها خصومها مواجهة مباشرة مع بنية المقاومة في المخيم.

ولهذا بقيت “حماية وطن” من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين السلطة ومخيم جنين، خصوصًا أن المخيم يمثل في الذاكرة الفلسطينية واحدة من أبرز ساحات المقاومة في الضفة الغربية، فيما ارتبط اسم الزبيدي به على مدى سنوات.

ومع صعود الزبيدي اليوم إلى قيادة فتح، تعود هذه الصفحة إلى الواجهة من جديد، ليس لأن الرجل كان طرفًا مباشرًا في كل تفاصيل تلك الأحداث، وإنما لأن مساره السياسي الحالي يجعله جزءًا من المؤسسة التي خاضت مواجهة مع البيئة التي صنعت رمزيته الأولى.

جمال الزبيدي.. سؤال من داخل العائلة

وفي خضم الجدل الذي أثارته صورة زكريا، جاء موقف عمه جمال الزبيدي ليعيد التذكير بما جرى في مخيمات شمال الضفة، منتقدًا ما شهدته مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس من حملات أمنية ومواجهات ونزوح.

وأعاد موقف جمال الزبيدي توجيه النقاش نحو سؤال موازٍ للخطاب الذي يطالب حماس بالاعتذار عن 7 أكتوبر: إذا كان هناك من يطالب حركة حماس بالاعتذار للشعب الفلسطيني، فمن يجيب عن الأسئلة المتعلقة بما جرى في مخيمات شمال الضفة؟

ولا يتعلق الأمر بوضع الأحداث في كفة واحدة أو مساواة المسؤوليات بينها، وإنما بإظهار عمق الانقسام في تعريف المسؤولية داخل الساحة الفلسطينية؛ فكل طرف يطالب الطرف الآخر بمراجعة مواقفه والاعتذار عن أفعاله، بينما تبقى ملفات الاعتقالات والمواجهات والانقسام الداخلي مفتوحة دون معالجة سياسية شاملة.

بين صورتين.. زكريا الذي عرفه المخيم وزكريا الذي تقوده فتح

تضع هذه التطورات زكريا الزبيدي بين صورتين مختلفتين.

الأولى هي صورة الرجل الذي عرفه الفلسطينيون في مخيم جنين مقاومًا ومطاردًا وأسيرًا، والذي ارتبط اسمه بعملية الهروب من سجن جلبوع ثم بإعادة اعتقاله وسنوات السجن.

أما الثانية، فهي صورة القيادي الفتحاوي الذي خرج من الأسر ضمن صفقة تبادل، ثم وصل إلى اللجنة المركزية لحركة “فتح”، وأصبح يجلس إلى جانب أبرز قادة الحركة، ويظهر في مشهد سياسي يصفق فيه لماجد فرج وهو يطالب حماس بالاعتذار عن 7 أكتوبر.

وبين الصورتين مسافة سياسية كبيرة، لكنها لا تعني بالضرورة أن الزبيدي فقد صلته بماضيه أو أن دخوله المؤسسة السياسية يمثل قطيعة كاملة مع تاريخه. فالشخصيات السياسية قد تتغير مواقعها ومواقفها، لكن انتقال شخصية بحجم الزبيدي من موقع المقاومة والمطاردة إلى قمة الهرم التنظيمي في فتح يبقى تحولًا يستحق القراءة.

من أخرجه من سجون الاحتلال؟

في قلب هذا الجدل يبرز السؤال الذي أعادته الصورة إلى الواجهة: من أخرج زكريا الزبيدي من سجون الاحتلال؟

الإجابة من الناحية الواقعية واضحة؛ فقد خرج ضمن صفقة تبادل أسرى ارتبطت باتفاق وقف إطلاق النار في غزة. لكن أهمية السؤال ليست في البحث عن طرف واحد يمكن نسب الفضل إليه، وإنما في وضع مسار الإفراج عنه ضمن سياقه السياسي.

فالزبيدي كان أحد الأسرى الذين شملتهم صفقة تبادل جاءت بعد الحرب التي اندلعت عقب 7 أكتوبر، وبالتالي فإن عودته إلى الحرية كانت جزءًا من مسار سياسي وتفاوضي نشأ في أعقاب تلك الحرب.

ومن هنا تبرز المفارقة التي جعلت تصفيقه لماجد فرج محل نقاش: هل يمكن للزبيدي، بوصفه أحد المستفيدين من صفقة التبادل، أن يفصل تمامًا بين الإفراج الذي أعاده إلى عائلته وبين المسار الذي قاد إلى تلك الصفقة؟

السؤال لا يفترض إجابة مسبقة، ولا يعني بالضرورة أن على الزبيدي تبني رواية حماس أو الدفاع عن 7 أكتوبر، لكنه يلفت إلى التناقض الظاهري بين تجربته الشخصية كأحد الأسرى الذين خرجوا في الصفقة، وبين الخطاب الذي يطالب الجهة التي خاضت الحرب وأدارت المفاوضات من أجل الصفقة بالاعتذار عنها.

وفي المقابل.. من يعتذر عن جنين؟

في الجهة الأخرى، تضع ذاكرة عائلة الزبيدي سؤالًا موازيا أمام الخطاب السياسي الجديد.

فإذا كان مطلوبًا من “حماس” أن تعتذر للشعب الفلسطيني عن 7 أكتوبر، فمن يعتذر لمحمد الزبيدي عن الاعتداء الذي تعرض له أثناء اعتقاله؟ ومن يجيب عن أسئلة أهالي مخيم جنين الذين عاشوا المواجهات مع أجهزة السلطة؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية عن آثار الحملات الأمنية التي شهدتها مخيمات شمال الضفة؟

هذه الأسئلة لا تلغي أسئلة 7 أكتوبر، ولا تنفي حق أي طرف في تقييم الحدث ومحاسبة المسؤولين عنه، لكنها تكشف أن الفلسطينيين يعيشون أكثر من جبهة للصراع وأكثر من ذاكرة للألم.

ففي الوقت الذي يدور فيه النقاش حول مسؤولية حماس عن 7 أكتوبر، توجد في الضفة الغربية ذاكرة أخرى مرتبطة بالاعتقالات والمواجهات الداخلية، وهي ذاكرة لم تُغلق بعد، وتعود إلى السطح كلما ظهر مشهد يعيد التذكير بالعلاقة بين المقاومة والسلطة.

ليست تصفيقة فقط.. إنها قصة انتقال سياسي

لهذا، فإن اختزال المشهد في “تصفيقة زكريا لماجد فرج” لا يكفي لفهم دلالته. فالتصفيق مجرد لحظة كشفت مسارًا سياسيًا أطول وأكثر تعقيدًا: مسار رجل انتقل من المقاومة والمطاردة إلى الأسر، ومن الأسر إلى صفقة التبادل، ومن الصفقة إلى موقع قيادي متقدم في حركة فتح.

وفي الوقت نفسه، يجري هذا المسار على خلفية ذاكرة عائلية لا تزال تحمل واقعة اعتقال نجله محمد والاعتداء عليه، وذاكرة مخيم جنين التي تحمل آثار المواجهات مع الاحتلال والسلطة على حد سواء.

ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كان يحق لزكريا أن يغير موقفه؛ فهذا حق سياسي وشخصي لا يحتاج إلى نقاش. السؤال هو: ماذا يعني هذا التحول بالنسبة إلى حركة فتح نفسها، وكيف انتقلت شخصية كانت رمزًا للمقاومة في أحد أهم مخيمات الضفة إلى موقع قيادي في المؤسسة السياسية التي تخوض مواجهة مفتوحة مع قوى المقاومة؟

وفي النهاية، تقف صورة الزبيدي مصفقًا لماجد فرج باعتبارها لحظة تختصر تحولًا أكبر من شخص واحد: مقاوم الأمس داخل قيادة فتح اليوم، وأسير خرج من صفقة تبادل أعقبت 7 أكتوبر، في مواجهة خطاب يطالب الجهة التي خاضت ذلك المسار بالاعتذار عنه.

وبين هذه الصورة وصورة محمد الزبيدي التي لا تزال حاضرة في ذاكرة العائلة، وبين مخيم جنين الذي لم تُغلق بعد صفحات “حماية وطن”، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام تحول شخصي في مسار زكريا الزبيدي، أم أمام إعادة صياغة كاملة لعلاقة حركة فتح بإرث المقاومة الذي صنع جزءًا أساسيًا من تاريخها؟

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY