لم تعد بلدة دوما، جنوب مدينة نابلس، تعرف طعم الحياة أو معنى الاستقرار، بعدما صادر الاحتلال والمستوطنون هدوء القرية، قبل أن تمتد يدهم إلى أراضيها للاستيلاء عليها لصالح المشاريع والبؤر الاستيطانية، التي نهشت الأرض وضيّقت مساحة التوسع العمراني والامتداد الزراعي أمام أهالي البلدة، المعروفة بطابعها الريفي والرعوي والزراعي.
فعلى أطراف القرية، حيث كانت الأراضي الزراعية تمتد مفتوحة أمام أصحابها، ظهرت بؤر استيطانية جديدة، وشُقّت طرق في الأراضي، فيما تحولت المساحات المحيطة بالمنازل والحقول إلى مناطق يخشى السكان الاقتراب منها.
ويقول رئيس المجلس القروي في دوما، سليمان دوابشة، في حديث خاص مع “قدس برس”، إن بلدته، التي يقطنها نحو 2500 نسمة وتمتد أراضيها على مساحة تقارب 17 ألف دونم، وجدت نفسها خلال السنوات الأخيرة أمام تمدد استيطاني متسارع يهدد بفصلها عن محيطها الفلسطيني، والاستيلاء التدريجي على مساحات من أراضيها الزراعية.
ويشير دوابشة إلى أن الاستيطان المحيط بدوما لم يعد يأخذ شكلاً واحداً، إذ ظهرت خلال السنوات الأخيرة بؤر رعوية جديدة في محيط القرية، بالتزامن مع شق طرق وتجريف أراضٍ، فيما تحولت المناطق الزراعية والرعوية إلى ساحات مواجهة مفتوحة.
ويفصل دوابشة في حديثه عن معاناة بلدته مع الاستيطان، قائلاً: “إن أخطر ما تواجهه البلدة اليوم هو الانتشار المتزايد للبؤر الاستيطانية الرعوية على أطرافها. فالأمر لم يعد يقتصر على بؤرة واحدة، وإنما باتت هناك عدة بؤر تنتشر في محيط القرية وتتمدد تدريجياً باتجاه أراضي المواطنين”.
وينبه دوابشة إلى أن هذه البؤر، إلى جانب اعتداءات المستوطنين وإجراءات الاحتلال، تشكل ضغطاً متواصلاً على السكان بهدف دفعهم إلى الابتعاد عن أراضيهم.
ويوضح أن منطقة شكارة أصبحت بدورها إحدى النقاط التي تشهد تمدداً استيطانياً ورعوياً، مع إقامة بؤرة في محيط المنطقة واستمرار تحركات المستوطنين فيها.
ويشير إلى أن بؤرة “جبوراي دافيد فارم” في الأراضي الشرقية لدوما تمثل نموذجاً آخر لهذا التوسع، إذ رافق إقامتها شق طرق وتجريف أراضٍ ومحاولات للسيطرة على أراضٍ فلسطينية خاصة. ويؤكد دوابشة أن الطريق الذي يُشق لخدمة البؤرة لا يكون مجرد طريق عابر، بل يتحول مع الوقت إلى أداة لتوسيع نطاق السيطرة على الأراضي المحيطة، وفتح المجال أمام مزيد من النشاط الاستيطاني.
ولا تتوقف الصورة، بحسب دوابشة، عند هذه البؤر، إذ تنتشر بؤر رعوية ومواقع استيطانية أخرى في المحيطين الشرقي والجنوبي لدوما، الأمر الذي يجعل القرية، وفق وصفه، محاطة بشبكة من المواقع التي تتوسع تدريجياً على حساب الأراضي الزراعية والرعوية.
ويشير رئيس المجلس القروي إلى أن إقامة هذه البؤر تترافق مع شق طرق وتجريف أراضٍ وتثبيت وجود استيطاني جديد، بحيث تتحول كل بؤرة، مع مرور الوقت، إلى نقطة انطلاق للتوسع باتجاه الأراضي المحيطة.
ومن وجهة نظر دوابشة، فإن ما يجري حول دوما ليس مجرد اعتداءات منفصلة، بل مسار متكامل يضغط على الإنسان والأرض في الوقت نفسه؛ فحين يُمنع المزارع من الوصول إلى أرضه، ويُلاحق الراعي في مراعيه، وتقام بؤرة جديدة بالقرب من التجمعات السكانية، ثم تُشق الطرق لخدمة هذه البؤر، تكون النتيجة تضييق مساحة الحياة أمام السكان وتوسيع نطاق السيطرة الاستيطانية.
من جهته، يرى الباحث والناشط في شؤون الاستيطان، بشار القريوتي، أن ظاهرة إقامة البؤر الجديدة يجب ألا تُقرأ باعتبارها عمليات منفردة، وإنما ضمن توجه أوسع نحو السيطرة على الأراضي الفلسطينية وفرض وقائع جديدة على الأرض.
وفي حديث مع “قدس برس”، وصف القريوتي ما يجري بأنه انتقال نحو أنماط أكثر التصاقاً بالتجمعات الفلسطينية، مع منح المستوطنين إمكانات ميدانية وأمنية تساعدهم على السيطرة على الأراضي، معتبراً أن الهدف يتجاوز الاستيلاء على مساحة محددة إلى فرض واقع جغرافي وسياسي جديد.
ويقول القريوتي إن خطورة البؤر الاستيطانية تكمن في قدرتها على التمدد خارج حدودها المادية؛ فالبؤرة، بحسبه، لا تحتاج إلى مساحات عمرانية كبيرة حتى تفرض سيطرتها على مساحة واسعة من الأراضي، إذ يتحول محيطها إلى مجال لحركة المستوطنين ورعي مواشيهم، فيما يجد المزارعون والرعاة الفلسطينيون أنفسهم أمام أخطار متزايدة عند محاولة الوصول إلى أراضيهم.
ويرى أن ما يحدث في دوما يتقاطع مع نمط أوسع تشهده قرى جنوب وشرق نابلس، حيث تتحول البؤر إلى رؤوس جسور للاستيلاء التدريجي على الأرض، خصوصاً عندما تترافق مع شق طرق جديدة تربط البؤر بعضها ببعض.
ويشير إلى أن هذه الطرق لا تخدم الحركة فقط، وإنما تساعد أيضاً على تثبيت الوجود الاستيطاني وفتح مساحات جديدة أمام المستوطنين.
وتحمل دوما في ذاكرتها واحدة من أبشع جرائم المستوطنين، حين أُحرق منزل عائلة دوابشة في 31 تموز/يوليو 2015، ما أدى إلى استشهاد الطفل الرضيع علي دوابشة، ووالدته، ثم والده سعد دوابشة متأثراً بإصاباته، فيما نجا شقيقه أحمد بإصابات بالغة.
ولم تنتهِ آثار تلك الجريمة عند حدود العائلة؛ إذ ظل اسم دوما مرتبطاً منذ ذلك الحين بالاعتداءات الاستيطانية، قبل أن تتجدد الهجمات على المنازل والأراضي والمساجد، وتظهر بؤر جديدة في محيط القرية.
وهكذا، تبقى معركة دوما أبعد من حماية منزل أو شجرة أو قطعة أرض؛ إنها، بالنسبة إلى سكانها، معركة الحفاظ على القرية نفسها، وعلى حق أهلها في البقاء والوصول إلى أراضيهم والعيش فيها بأمان، في وقت يبدو فيه محيطها مفتوحاً على مزيد من التوسع الاستيطاني، الذي يهدد بتحويل الاعتداء المؤقت إلى واقع دائم.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY