كشفت مصادر خاصة لـ”قدس برس” أن حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” تبحث عن مخرج لأزمة عضو لجنتها المركزية محمود العالول، بعد تحوله من أحد أبرز رجال الحركة وأكثرهم حضورًا في مواقعها القيادية خلال السنوات الماضية إلى عضو بلا ملف تنظيمي مؤثر، في مشهد يعكس عمق التحولات والخلافات داخل الحركة، وتراجع دور قيادات تاريخية لصالح مراكز نفوذ جديدة، يتقدمها نائب رئيس الحركة حسين الشيخ.
وبحسب المصادر، فإن العالول يعيش حالة من الاستياء الشديد منذ إعادة ترتيب موازين القوى داخل “فتح”، ولا سيما بعد تعيين الشيخ نائبًا لرئيس الحركة بدلًا من إجراء انتخابات داخل اللجنة المركزية، وهو الموقع الذي كان العالول يشغله منذ عام 2017، قبل أن يفقده بعد المؤتمر الثامن للحركة.
لكن الأكثر لفتًا هو وجود طرح داخل أوساط الحركة بأن يوضع العالول على رأس قائمة “فتح” في الانتخابات التشريعية المقبلة، في حال أجريت الانتخابات ولم يطرأ تأجيل جديد عليها، مع وجود وعود له بأن يتولى رئاسة المجلس التشريعي إذا تمكنت “فتح” من الفوز بأغلبية تتيح لها ذلك، أو تشكيل تحالف برلماني يوفر الأصوات اللازمة لانتخابه رئيسًا للمجلس.
وترى المصادر أن هذا الخيار قد يشكل مخرجًا سياسيًا يحفظ للعالول مكانته وتاريخه داخل “فتح”، ويعيده إلى موقع متقدم من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الترتيبات الجديدة التي فرضت حسين الشيخ في مركز القرار التنظيمي.
وتضيف المصادر أن “فتح” حاولت في مرحلة أولى احتواء الموقف من خلال طرح إسناد مفوضية التعبئة الفكرية للعالول، إلا أن استمرار مقاطعته للجنة المركزية أدى إلى إسناد الملف إلى رئيس الوزراء الأسبق وعضو اللجنة المركزية محمد اشتية، الذي يتولى كذلك المفوضية المالية.
ومع استمرار الأزمة، بدأت داخل الحركة أفكار أخرى لتوفير موقع للعالول، من بينها استحداث مفوضية جديدة لم تكن موجودة سابقًا، على غرار مفوضية التنمية والتمكين التي استُحدثت لعضو اللجنة المركزية ليلى غنام، أو طرح مفوضية تُعنى بالانتخابات النقابية والمحلية والتشريعية.
التزام الصمت…
وكشفت المصادر أن العالول، الذي يُنظر إليه داخل أوساط “فتح” باعتباره أحد رموز الحركة التاريخيين وصاحب تجربة نضالية طويلة، لم يتحدث للعلن عن الخلافات ورفض الظهور عبر وسائل الإعلام، لكنه في الغرف المغلقة عبّر عن غضبه من الطريقة التي جرى بها إنهاء دوره نائبًا لرئيس الحركة، إذ يرى فيها تجاوزًا لتفاهمات سابقة معه، وأنه لم يحصل على المعاملة التي كان يتوقعها بالنظر إلى موقعه وتاريخه داخل التنظيم.
وتكشف المصادر أن الخلاف لم يكن متعلقًا فقط بخسارة العالول منصب نائب رئيس الحركة، وإنما بما يعتبره تراجعًا متعمدًا لدوره السياسي والتنظيمي، في وقت انتقلت فيه الملفات الثقيلة داخل “فتح” إلى حسين الشيخ، الذي أصبح يمسك بمساحات واسعة من القرار التنظيمي والسياسي.
وتقول مصادر مطلعة إن رئيس السلطة محمود عباس ترك خلال المرحلة الأخيرة عددًا من الملفات الأساسية بيد الشيخ، وهو ما عزز شعور العالول، وفق المصادر، بأنه جرى تجاوزه سياسيًا وتنظيميًا، رغم موقعه في اللجنة المركزية وتاريخه الطويل في الحركة.
وتشير المصادر إلى أن المشكلة بالنسبة للعالول تفاقمت بعد المؤتمر الثامن للحركة، إذ لم تُسند إليه أي مفوضية من المفوضيات التنظيمية القائمة، الأمر الذي جعله، بحسب أحد المصادر، “من دون نفوذ أو دور تنظيمي فاعل”، بعدما كان لسنوات الرجل الثاني في هرم الحركة من حيث الموقع والمكانة.
الرجوب.. الرسالة وصلت
ومنذ 25 حزيران/ الماضي، يقاطع العالول جلسات اللجنة المركزية التي لا يرأسها الرئيس محمود عباس، بل الشيخ، في موقف مشترك مع عضو اللجنة المركزية جبريل الرجوب، احتجاجًا على طريقة إدارة المرحلة الجديدة داخل الحركة.
غير أن الرجوب فهم المعادلة -وفق المصادر- وأدرك أن وجوده في الملعب أفضل من بقائه خارجه، “لذلك، قبل بالعودة بشرط احتفاظه بمنصب أمين سر اللجنة المركزية لـ”فتح”، وقد قبل الشيخ بذلك، لقناعته بأن تأثير الرجوب اليوم أكبر من تأثير العالول”.
واعتبر مطلعون على “أسرار الحركة” أن عودة الرجوب إلى مؤسساتها أولوية بسبب نفوذه التنظيمي وحضوره في قطاعات الشباب والرياضة وعلاقته بالأجهزة الأمنية، مشيرين إلى أن إبقاء منصب أمين سر اللجنة المركزية شاغرًا لفترة طويلة كان جزءًا من الجهود الرامية إلى استعادة الرجوب، قبل التوصل إلى تفاهم بشأن توليه المنصب، في حين بقي العالول خارج المعادلة التنظيمية الجديدة.
وفي خضم هذه الأزمة، يحضر العالول جلسات المجلس الثوري التي ترأسها الرئيس محمود عباس، أمس الخميس واليوم الجمعة، وسط توقعات بأن تشكل هذه الاجتماعات فرصة لبحث ترتيبات تعيده إلى جلسات اللجنة المركزية وإنهاء حالة القطيعة.
إلا أن مصادر داخل الحركة ترى أن المشكلة أعمق من مجرد توزيع مفوضية أو إعادة عضو إلى جلسة، معتبرة أن ما يجري يعكس إعادة تشكيل لمراكز القرار داخل “فتح”، وتراجعًا تدريجيًا لدور عدد من القيادات التاريخية مقابل صعود شخصيات جديدة.
وتقول المصادر إن العالول، بما يمثله من تاريخ نضالي ومكانة داخل الحركة، يجد نفسه أمام مفترق طرق: إما الحصول على موقع جديد يعيد إليه جزءًا من حضوره، أو الانتقال إلى موقع وطني من خلال منظمة التحرير، أو العودة إلى الواجهة عبر المجلس التشريعي في حال أجريت الانتخابات.
وبينما تبقى هذه الخيارات رهينة القرار السياسي وإجراء الانتخابات من عدمه، فإن أزمة العالول تكشف في جانب آخر عن مأزق أوسع داخل “فتح”: حركة تحمل إرثًا تنظيميًا ونضاليًا كبيرًا، لكنها لم تنجح حتى الآن في حسم خلافاتها الداخلية أو صياغة آلية واضحة لتوزيع الأدوار والنفوذ بين قياداتها.
وتخلص المصادر إلى أن أي تسوية مع العالول لن تنهي أزمة “فتح”، لكنها قد تمنع تحول الخلاف إلى قطيعة مفتوحة بين قيادة الحركة وأحد أبرز رموزها التاريخيين، خصوصًا في مرحلة تحتاج فيها الحركة إلى إعادة ترتيب بيتها الداخلي قبل أي استحقاق انتخابي أو سياسي مقبل.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY