Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

حوامل غزة… معاناة مضاعفة تحت نيران الحرب

على فراشٍ بالٍ في زاوية خيمة نزوح مهترئة، تجلس شيماء أبو النور، تضع يدها على خاصرتها التي لم يهدأ ألمها منذ أسبوع، تمرر أصابعها على بطنها المنتفخ، وتسرح في اليوم الذي ستحمل فيه وليدتها بين ذراعيها، تتذوق طعم الأمومة، وتغمرها ابتسامة طفلتها. لكن هذا الحلم الجميل سرعان ما يتبدد أمام واقعها المرير، بعدما نسف جيش الاحتلال منزلها وسوّاه بالأرض، لتجد نفسها في مخيم نزوح لا يرحم.

أحلام الأمومة التي لطالما راودتها، تحوّلت إلى سراب. فها هي على مشارف نهاية شهرها الثامن، والإبادة والمجاعة لا تزالان تضربان كل مظاهر الحياة في القطاع. تبدلت أمنياتها، وأصبحت أقساها أن تلد طفلتها دون أن يخطفها القصف أو تقتلها رصاصة طائشة.

تتساءل شيماء: “في كل يوم أُحادث نفسي، متسائلة هل سأبقى على قيد الحياة حتى ألد؟ وهل سيُكتب لطفلتي أن تصرخ صرختها الأولى، أم ستختنق في بطني قبل أن ترى النور؟”.

وتضيف في حديثها لمراسلة “قدس برس”: “لم أعد أمتلك القوة اللازمة للحياة. نزحت من جباليا وأنا في شهري الخامس، مشيًا على الأقدام. لقد عاش جنيني ما لا يستطيع أحد تحمّله. خلال النزوح، سقطت قذيفة قربنا، فانهرت أرضًا ولم أستطع النهوض لاستكمال الطريق”.

وتتابع: “كل ما فكرت فيه في تلك اللحظة أنني سأموت مع طفلي في بطني، وأن دفني سيكون جماعيًّا بلا وداع”.

وتروي شيماء أنها قصدت أحد المستوصفات الطبية، وتوسلت للطبيب أن يفحصها، لكنه أجابها: “لا يوجد جهاز سونار، ولا أدوية، عودي إلى خيمتك وانتظري الولادة”. نظرت إليه بدهشة وسألته: “عن أي ولادة تتحدث؟ على أي أرض وتحت أي سماء سيكون المخاض؟”.

وتشدد: “أنا أموت ببطء. أشعر بتقلصات، وأحيانًا أرى دمًا. لا أستطيع النوم من الألم والخوف. لا حليب، لا طعام، لا دواء. فقط خوفٌ ونزوحٌ وقنابل”.

وعن اقتراب موعد الولادة، تقول: “سمعت عن نساء ولدن في الخيام ومات أطفالهن لأن لا أحد أسعفهم. طفلتي، إذا خرجت للحياة، هل ستجد حاضنة؟ أم ستختنق وتموت أمام عيني؟”.

مشاعر الخوف التي تعيشها شيماء، تتقاطع مع ما تشعر به الثلاثينية هدى عيد، التي يسيطر عليها هاجس فقدان حملها الذي انتظرته ثماني سنوات. تخشى أن تفقده أو أن يولد بتشوه أو إعاقة بسبب الحرب.

ما تزال هدى في أشهر حملها الأولى، وتتنقل مع عائلتها بين الخيام ومراكز النزوح، علّها تجد مكانًا مريحًا تستلقي فيه، وتريح عظامها المنهكة من كثرة المشي بين الطرقات المدمّرة.

تقول: “لا أريد سوى السلام، وأن أرى طفلي بصحة جيدة. أن أسمع نبضه لا دوي القنابل، أن أختار له ملابس، لا أن أبحث عن كفن صغير”.

وتضيف: “أسير بحذرٍ شديد خشية سقوط قذيفة أو صاروخ في منطقة نزوحنا، فيصيب الجنين بأذى. أتعلق كثيرًا بتلك اللحظة التي أحمله فيها بين يدي، لأروي ظمأ ثماني سنوات من الحرمان”.

وتتابع: “أحلم كثيرًا أن يكون الجنين بنتًا، أستمتع بشراء ملابسها، وأقبلها أول قبلة. فهل يا ترى يأتي ذلك اليوم؟”.

وتشير إلى أنها تستمع إلى أحاديث النساء ومعاناتهن مع نقص الحليب وحفاظات الأطفال، وتخشى أن تستمر هذه الأزمة حتى موعد ولادتها، فلا تستطيع توفير أبسط حقوق طفلها في أيامه الأولى.

خلال النصف الأول من عام 2025، تم تسجيل 17 ألف حالة ولادة، بينها ألفان و600 حالة إجهاض، ووفاة 220 جنينًا قبل الولادة، إلى جانب وفاة 21 مولودًا خلال الساعات الأولى من حياتهم.

كما تم تسجيل 67 حالة تشوه خلقي، أبرزها حالة الطفلة “ملك القانوع” التي وُلدت بلا دماغ نتيجة تعرض والدتها للإشعاعات الناتجة عن القصف.

ودخل أكثر من ألفين و500 طفل حديث الولادة إلى الحضانة، وولد ألف و600 طفل بوزن أقل من الطبيعي، مع تسجيل ألف و460 حالة ولادة مبكرة.

وتشن قوات الاحتلال الإسرائيلي، بدعم أمريكي مطلق، حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، خلفت، وفقًا لوزارة الصحة الفلسطينية في غزة، أكثر من 61 ألفًا و20 شهيدًا، و150 ألفًا و671 جريحًا، وأكثر من 10 آلاف مفقود، ومجاعة أودت بحياة العشرات، فيما يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في ظروف نزوح قسري وسط دمار شامل.

وبحسب معطيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة وجهات أممية، أدّت الحرب إلى تدمير أكثر من 88 بالمئة من مباني القطاع، بإجمالي خسائر تجاوز 62 مليار دولار، في وقت تسيطر فيه قوات الاحتلال على نحو 77 بالمئة من مساحة قطاع غزة عبر الاجتياح والنار والتهجير.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY