Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

حرب التعطيش في الأغوار.. الاحتلال يردم الآبار ويضرب شريان الزراعة الفلسطينية

في الأغوار الفلسطينية، لم تعد المعركة على الأرض منفصلة عن المعركة على المياه. فمع كل بئر يُردم، أو خط مياه يُقتلع، أو منشأة مائية تُهدم، تتراجع قدرة الفلسطينيين على زراعة أراضيهم وسقاية مواشيهم وتأمين احتياجاتهم الأساسية، في منطقة تشكل الزراعة فيها أحد أهم مقومات البقاء.

ويعيش سكان الأغوار الشمالية منذ أشهر على وقع عمليات تجريف واسعة تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي، ترافقت مع استهداف متكرر لمصادر المياه وشبكات الري، فيما يرى سكان المنطقة أن ما يجري يتجاوز تدمير منشآت منفردة إلى تضييق ممنهج على مقومات الحياة، بما يدفع السكان إلى خيارات صعبة بين الرحيل أو البقاء في ظروف تزداد قسوة.

وكان المزارع عبد المجيد سعايدة (55 عاما) من قرية “عاطوف”، أحد المتضررين مباشرة من هذه السياسة، بعدما تعرض بئر المياه الذي يملكه للردم للمرة الثالثة خلال أقل من خمس سنوات. ولم تتوقف الأضرار عند البئر، إذ عاد الاحتلال لاستهداف خط المياه الناقل الذي يخدم عاطوف والرأس الأحمر، ما أدى إلى انقطاع المياه عن السكان والأراضي الزراعية.

ويقول سعايدة متحدثا لمراسل “قدس برس” إن مستوطنين دمروا أجزاء من الخط الرئيسي الذي ينقل المياه إلى العائلات والمزارع، قبل أن تستكمل جرافة عسكرية لجيش الاحتلال العملية باقتلاع الأنابيب وإتلافها بالكامل. ووفق إفادته، حُرم نحو 30 عائلة من مربي المواشي من المياه، فيما امتد أثر الاعتداء إلى نحو 8 آلاف دونم من الأراضي المزروعة بالمحاصيل المروية.

ولم يكن هذا البئر هو المنشأة الوحيدة المستهدفة، إذ طالت عمليات الردم ثلاث آبار ارتوازية في “عاطوف” و”الرأس الأحمر”، فيما قال رئيس المجلس القروي عبد الله بشارات لـ”قدس برس” إن الآبار كانت توفر المياه لنحو 7500 دونم من أراضي سهل البقيعة.

وتعني خسارة هذه الآبار بالنسبة إلى المزارعين أكثر بكثير من فقدان منشآت مائية. فالمياه هي التي تجعل آلاف الدونمات قابلة للزراعة، وتوفر مصدر الدخل للأسر، وتسمح بتربية المواشي وإنتاج الخضروات والمحاصيل التي تصل إلى الأسواق الفلسطينية، فضلاً عن ارتباط مئات المزارعين مباشرة باستمرار تدفق المياه إلى أراضيهم.

ومن بين المتضررين المزارع محمود عودة، الذي أنشأ عام 2018 بئراً في عاطوف بتمويل شخصي بلغ نحو 1.5 مليون شيكل. وبعد تشغيله، أصبح البئر مصدراً للمياه لنحو 500 مزارع، من أصحاب المساحات الصغيرة وصولاً إلى من يزرعون عشرات الدونمات.

ويؤكد عودة أن ردم البئر لا يعني خسارة قيمة المنشأة وحدها، وإنما يهدد سلسلة واسعة من مصادر الرزق المرتبطة بها، قائلاً إن مئات العائلات تعتمد على استمرار المياه لاستكمال نشاطها الزراعي. ويختصر حجم الخطر بالقول: “إذا فقدنا المياه في هذه المنطقة، فقدنا كل شيء”.

عاطوف والبقيعة تحت ضغط التجريف

وتزامنت عمليات استهداف مصادر المياه مع أعمال تجريف تشهدها المنطقة ضمن مشروع يُعرف بـ”الخيط القرمزي”، يتضمن شق طريق عسكري وإقامة مقطع جديد من جدار الفصل على أراضي المواطنين في طوباس والأغوار الشمالية.

ويمتد الطريق العسكري المخطط من حاجز عين شبلي جنوب شرق طوباس باتجاه حاجز تياسير شرق المدينة، بطول يقارب 22 كيلومتراً وعرض يصل إلى 50 متراً، ويمر جزء منه في سهل عاطوف والرأس الأحمر.

وأدت أعمال التجريف، وفق المعطيات المحلية الواردة في التقرير، إلى اقتلاع أشجار وإتلاف محاصيل وتدمير خطوط مياه رئيسية، فيما انقطعت المياه عن نحو 30 ألف دونم من أراضي سهل البقيعة، الذي تبلغ مساحته قرابة 96 ألف دونم.

ويحذر الناشط في رصد الاستيطان عارف دراغمة من أن استهداف الآبار لا يمكن فصله عن مستقبل الزراعة في المنطقة، موضحاً أن الآبار المستهدفة كانت تنتج كميات كبيرة من المياه يومياً وتخدم الزراعات المكشوفة والبيوت البلاستيكية.

ويشير إلى أن عاطوف وسهل البقيعة من المناطق الزراعية التي تنتج البطاطا والبصل والجزر والخضروات والتمور والعنب وغيرها من المحاصيل، فيما يصل جزء من إنتاجها إلى الأسواق الخارجية. ويحذر من أن استمرار فقدان مصادر المياه سيحوّل الأراضي المنتجة إلى أراضٍ بور، ويضعف قدرة المزارعين على البقاء.

ويقول دراغمة إن العلاقة بين المياه والبقاء في الأغوار مباشرة، مضيفاً: “المياه هي سبب وجود الفلسطيني في الأغوار، والزراعة هي سبب بقائه”.

أزمة تتجاوز الأغوار

ولا تبدو الاعتداءات على مصادر المياه في الأغوار حالة معزولة عن واقع مائي أوسع يعيشه الفلسطينيون في الضفة الغربية. فقد وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” خلال عام 2026 إتلاف المستوطنين أكثر من 60 منشأة وبنية تحتية مرتبطة بالمياه والصرف الصحي والنظافة، بينها خطوط أنابيب وأنظمة ري وخزانات مياه، ما أثر في الوصول إلى المياه في 32 تجمعاً فلسطينياً.

وفي إحدى الوقائع الموثقة قرب خربة عاطوف في نيسان/أبريل الماضي، جرى تجريف ما لا يقل عن 300 متر من شبكة مياه رئيسية، ما قطع المياه عن أكثر من 20 أسرة في شرق عاطوف والرأس الأحمر، وأثر في سبل عيش نحو 120 مزارعاً في شرق عاطوف و300 مزارع في الرأس الأحمر.

كما وثق “أوتشا” خلال الفترة نفسها استمرار استهداف خطوط المياه المرتبطة بنبع عين الحمة في شمال الأغوار، إلى جانب القيود المفروضة على وصول المزارعين والرعاة الفلسطينيين إلى مصادر المياه.

وفي الضفة الغربية عموماً، تشير بيانات أممية إلى أن أزمة المياه لا تقتصر على الأغوار. ففي عام 2025 واجهت 52 تجمعاً فلسطينياً عراقيل في الوصول إلى مصادر المياه، بينما افتقرت 73 تجمعاً إلى شبكة مياه رسمية واضطرت إلى الاعتماد على صهاريج نقل المياه. كما وثق مكتب الأمم المتحدة هدم أكثر من 130 منشأة للمياه والصرف الصحي في الضفة منذ بداية عام 2025.

وتشمل هذه السياسة أيضاً إغلاق الآبار. فقد وثق “أوتشا” إغلاق 12 بئراً ارتوازياً في الضفة بين كانون الثاني/يناير 2023 والرابع من آب/أغسطس 2025، بينها بئران شرق نابلس أُغلقا في تموز/يوليو 2025، ما أدى، وفق بلديتي بيت دجن وبيت فوريك، إلى خفض توافر المياه بنحو 20 بالمئئة والتأثير في قرابة 23 ألف نسمة.

المياه كأداة للضغط

وتستند أزمة المياه الفلسطينية إلى واقع أوسع من عمليات التخريب والهدم الأخيرة، إذ تخضع مصادر المياه في الضفة الغربية منذ عقود لقيود إسرائيلية على حفر الآبار وتطوير الموارد المائية. وتوضح تقارير أممية أن السيطرة على مصادر المياه تحد من قدرة الفلسطينيين على تطويرها واستثمارها، بينما تحصل المستوطنات على إمدادات مائية تتيح لها توسيع النشاط الزراعي.

وفي الأغوار تحديداً، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً: منطقة غنية بالأراضي الزراعية والمصادر المائية، لكن الفلسطينيين يواجهون صعوبات في الوصول إلى تلك الموارد أو تطويرها، في الوقت الذي تتوسع فيه الزراعة داخل المستوطنات.

ولا تقتصر “حرب التعطيش” على ردم الآبار، بل تمتد إلى تدمير خطوط المياه والري، واستهداف الخزانات والمنشآت، وتقييد الوصول إلى الينابيع، وهي إجراءات تجعل الحصول على المياه أكثر كلفة وصعوبة بالنسبة إلى السكان، ولا سيما التجمعات الزراعية والرعوية التي تعتمد عليها بشكل يومي.

وبذلك تتحول المياه من مورد طبيعي إلى عنصر حاسم في معركة البقاء. فحرمان المزارع من الماء يعني أولاً خسارة محصوله، ثم خسارة مصدر دخله، ومع استمرار القيود والاستهداف يصبح البقاء في الأرض أكثر صعوبة.

وتكشف الوقائع الميدانية والأرقام الأممية الحديثة أن الضغط على مصادر المياه الفلسطينية يتخذ مساراً متصاعداً، من الأغوار الشمالية إلى مناطق أخرى في الضفة الغربية، فيما تبقى النتيجة واحدة: تقليص قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى مورد لا غنى عنه للحياة والإنتاج والصمود.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY