Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

جرائم المستوطنين… سرقة المواشي لتفريغ التجمعات البدوية بالضفة الغربية

لم تعد المواشي في التجمعات البدوية والرعوية الفلسطينية في الضفة الغربية مجرد مصدر رزق، بل باتت هدفًا مباشرًا لهجمات المستوطنين، الذين يصعّدون عمليات سرقة القطعان والاعتداء على الرعاة والمزارعين، في مشهد يقول ناشطون إنه يندرج ضمن الضغط على هذه التجمعات لدفع سكانها إلى الرحيل عن أراضيهم.

وكانت أحدث الوقائع المسجلة خلال الأسابيع الأخيرة في هذا السياق، يوم 25 أيلول/سبتمبر الماضي، عندما هاجم مستوطنون تجمعًا بدويًا يقع بين قريتي عصيرة القبلية وأماتين، جنوبي نابلس، شمالي الضفة الغربية، وسرقوا عددًا من رؤوس الماشية وجرارًا زراعيًا، وفق مصادر محلية.

وقبل ذلك بثلاثة أيام، اقتحم مستوطنون بلدة سلواد شمال شرقي رام الله، وسط الضفة، بحماية قوة كبيرة من جيش الاحتلال، واستولوا على عشرات رؤوس الماشية العائدة لثلاثة فلسطينيين، فيما أقدموا على تخريب ممتلكات عدد من المنازل، بحسب مصادر محلية وأمنية فلسطينية.

وفي 15 أيلول/سبتمبر، سرق مستوطنون نحو 300 رأس من الأغنام وحصانًا عربيًا أصيلًا من مزرعة المواطن يوسف فواز عواودة في منطقة الحيّان ببلدة دير دبوان شرق رام الله.

ووفق إفادات محلية، اقتحم المستوطنون المزرعة فجرًا، وخلعوا أبوابها ونوافذها، واقتادوا المواشي، فيما لم يتبقَّ فيها سوى خمسة رؤوس يُرجح أنها عادت بمفردها. وقدّرت خسائر أصحاب المزرعة بأكثر من 200 ألف دولار.

وتعكس هذه الوقائع نمطًا آخذًا في الاتساع، لا سيما أن استهداف المواشي يجمع بين الضرر الاقتصادي المباشر والضغط على السكان الذين يعتمدون بصورة أساسية على الرعي وتربية الأغنام والأبقار لتأمين معيشتهم.

آلاف المواشي في مرمى السرقة

ويقول المشرف العام لمنظمة “البيدر” للدفاع عن حقوق البدو، حسن مليحات، لـ”قدس برس”، إن الاعتداءات على المواشي شهدت تصاعدًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، ولم تعد تقتصر على منطقة جغرافية محددة، بل امتدت إلى الأغوار، ومناطق شرق رام الله، وبادية الخليل وبيت لحم، ومناطق أخرى من الضفة الغربية.

ويشير مليحات إلى أن المنظمة وثقت خلال عام 2025 سرقة أكثر من 12 ألف رأس من الأغنام، فيما قدّرت ما تمت سرقته منذ بداية عام 2026 بنحو 1500 رأس.

وفي رقم آخر نشرته هيئة مقاومة الجدار والاستيطان التابعة للسلطة الفلسطينية، يعكس حجم الظاهرة، شهد النصف الأول من عام 2026 أكثر من 102 حالة سرقة واعتداء استهدفت المواشي الفلسطينية، وطالت ما مجموعه 4796 رأسًا، سواء بالسرقة أو القتل أو الإبعاد.

وتتفاوت هذه الأرقام بحسب الجهة التي تتولى التوثيق وتعريفها لحالات السرقة والاعتداء، إلا أنها تتفق على اتساع نطاق استهداف الثروة الحيوانية، التي تمثل موردًا أساسيًا للتجمعات الرعوية.

ويؤكد مليحات أن الاعتداءات لا تقتصر على الاستيلاء على القطعان، بل تترافق في كثير من الحالات مع ضرب أصحابها وتهديدهم ومنعهم من الوصول إلى مراعيهم، أو إجبارهم على دفع مبالغ مالية لاستعادة مواشيهم.

“سرقوا الأرض.. ولم تعد الأغنام بعيدة عن أيديهم”

ومن بين الحالات التي تكشف طبيعة هذه الاعتداءات، ما تعرض له المزارع عودة كعابنة من تجمع رأس عين العوجا البدوي، شمال مدينة أريحا شرقي الضفة الغربية.

ففي 14 آب/أغسطس الماضي، استيقظ كعابنة على فقدان كامل قطيعه، الذي يقدّر بنحو 200 رأس من الأغنام، بعدما اقتحم مستوطنون التجمع في ساعات الصباح، ودخلوا الحظيرة واقتادوا الأغنام إلى بؤرة استيطانية قريبة، مستغلين غياب الرجال عن المكان.

ويقول كعابنة لـ”قدس برس” إنه حاول استعادة قطيعه عبر التوجه إلى مراكز شرطة الاحتلال وتقديم شكاوى عدة، لكنه لم يحصل على استجابة جدية.

ويضيف أن محاولته الوصول إلى البؤرة التي نُقلت إليها الأغنام قوبلت بتهديد مباشر، بعدما هدده حارسها بالقتل إذا أصر على البقاء في المكان.

ويقول: “سرقوا الأرض، وليس غريبًا عليهم أن يسرقوا الأغنام. ما كان هؤلاء ليقدموا على فعلتهم لولا شعورهم بأنهم محميون”.

ويرى كعابنة أن استهداف المواشي لا ينفصل عن محاولات التضييق على التجمعات البدوية، التي تعتمد على الرعي وتربية الحيوانات في حياتها اليومية، مؤكدًا أن فقدان القطيع يعني بالنسبة للعائلة فقدان مصدر دخلها الأساسي.

الاعتداء لا ينتهي عند السرقة

وفي خربة أم الجمال بالأغوار الشمالية، تعرض المواطن عبد الجليل إرحيل لاعتداء من مستوطنين أثناء رعيه أغنامه، قبل أن يستولوا على القطيع.

ويقول إرحيل لـ”قدس برس” إن مجموعة من المستوطنين، كان بعض أفرادها ملثمين، اقتربت منه أثناء رعي الأغنام، وكان أحدهم يحمل مسدسًا وآخر قضيبًا حديديًا، قبل أن يعتدوا عليه ويقتادوا الأغنام.

ويضيف أنه حاول مخاطبتهم بالعبرية، فأبلغوه بأن الأرض وما عليها تعود لهم، ورفضوا اعتبار ما فعلوه سرقة، وفق روايته، قبل أن يغادروا بالقطيع.

ولا تبدو هذه الحوادث معزولة عن سياق أوسع من الاعتداءات التي تستهدف التجمعات الرعوية، إذ وثقت تقارير حقوقية حالات نصب فيها مستوطنون كمائن للرعاة، واعتدوا عليهم وهددوهم بالسلاح، ثم استولوا على قطعانهم.

سرقة منظمة وغياب المحاسبة

يقول مدير دائرة النشر والتوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أمير داود، لـ”قدس برس”، إن عمليات سرقة المواشي باتت تتكرر في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، وخصوصًا المناطق الرعوية التي تنتشر فيها التجمعات البدوية.

ويضيف أن الهجمات، بحسب إفادات الرعاة والسكان، لا تبدو في جميع الحالات عشوائية، إذ يجري رصد تحركات أصحاب القطعان واختيار الأوقات التي يكون فيها الرعاة بعيدين عن التجمعات أو في مناطق معزولة.

ويشير إلى أن الاعتداءات تطورت من مهاجمة الرعاة في مناطق الرعي إلى اقتحام التجمعات نفسها، والدخول إلى الحظائر وسرقة القطعان في أوقات يكون فيها الرجال خارج المكان.

ويقول إن الخسارة لا تتوقف عند قيمة الحيوانات المسروقة، بل تمتد إلى قدرة العائلات على البقاء في أراضيها، لأن القطيع بالنسبة للعائلة الرعوية يمثل رأس مال ومصدر دخل وغذاء في الوقت نفسه.

وتؤكد منظمة العفو الدولية، في تقرير صدر عام 2026، وجود نمط من استهداف المواشي الفلسطينية عبر السرقة والمصادرة والإيذاء والقتل، مشيرة إلى أن هذه الممارسات تؤثر بصورة مباشرة في سبل عيش التجمعات الرعوية. كما وثقت المنظمة حالات استخدمت فيها مصادرة المواشي أو التهديد بمصادرتها لمنع السكان من الوصول إلى مناطق الرعي أو العودة إلى أماكن سكنهم.

حين تصبح استعادة القطيع مكلفة

ولا تنتهي معاناة أصحاب المواشي بالضرورة عند العثور على قطعانهم، إذ تُفرض في بعض الحالات مطالب مالية مقابل استعادتها، كما جرى مع المزارع محمود دراغمة من منطقة الفارسية في الأغوار، الذي قال إنه اضطر إلى دفع أكثر من 15 ألف دولار لاستعادة 20 بقرة استولى عليها مستوطنون، إضافة إلى مبالغ يومية مقابل إطعام الحيوانات.

ويقول دراغمة لـ”قدس برس” إن العائلة اضطرت إلى دفع المبلغ لأنها تعتمد على الأبقار كمصدر رزق أساسي، قبل أن تتعرض لاحقًا لمصادرة قطيع آخر يضم نحو 100 رأس، وطُلب منها مبلغ أكبر لاستعادته، وهو ما لم تتمكن من توفيره.

وتشير هذه الوقائع إلى أن استهداف المواشي لا يقتصر على عملية سرقة مباشرة، بل يمكن أن يتحول إلى وسيلة تستنزف المزارعين اقتصاديًا، وتضعهم أمام خيارين كلاهما صعب: خسارة القطيع أو تحمل أعباء مالية تفوق قدرة الأسرة.

الضغط على التجمعات الرعوية

وتأتي هذه الاعتداءات في وقت تتعرض فيه التجمعات البدوية والرعوية في الضفة الغربية لضغوط متزايدة، تشمل الاعتداءات الجسدية، وتقييد الوصول إلى الأراضي ومناطق الرعي، وتخريب مصادر المياه والممتلكات، وإقامة البؤر الاستيطانية القريبة من مساكن الفلسطينيين.

وأظهرت نتائج مسح للتجمعات البدوية أعدته الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان بالتعاون مع الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وأُعلنت في حزيران/يونيو 2026، تهجير أكثر من 50 تجمعًا بدويًا ورعويًا منذ أواخر عام 2023، بسبب توسع المستوطنات والقيود العسكرية الإسرائيلية، إضافة إلى تسجيل نحو 300 انتهاك خلال شهر نيسان/أبريل 2025 استهدفت هذه التجمعات وأفرادها ومؤسساتها.

كما وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1600 هجوم للمستوطنين أسفر عن إصابات فلسطينية أو أضرار بالممتلكات خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، بمعدل بلغ نحو 6.7 هجمات يوميًا، مقارنة بخمسة هجمات يوميًا خلال عام 2025. وطالت الاعتداءات 275 تجمعًا فلسطينيًا خلال تلك الفترة.

وبالنسبة للعائلات التي تعيش من الرعي، فإن فقدان عشرات أو مئات رؤوس الماشية لا يعني خسارة اقتصادية عابرة، بل يهدد الأساس الذي تقوم عليه حياة هذه التجمعات.

ولهذا، يرى ناشطون أن حماية المواشي باتت جزءًا من معركة أوسع تخوضها التجمعات البدوية للحفاظ على وجودها في أراضيها، في ظل تزايد الاعتداءات وتراجع قدرتها على الوصول الآمن إلى المراعي ومصادر المياه.

وفي ظل استمرار توثيق حوادث السرقة والاعتداء، تتحول الحظائر والقطعان في مناطق الرعي الفلسطينية إلى خط تماس جديد؛ فبالنسبة لأصحابها، ليست الأغنام مجرد أرقام يمكن تعويضها، وإنما مدخرات عائلية ومصدر رزق، وفقدانها قد يعني دفع الأسرة خطوة إضافية نحو العجز عن البقاء في أرضها.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY