بعد ثلاث سنوات ثقيلة غاب فيها جرس المدرسة عن مسامع أطفال غزة، تعود العملية التعليمية إلى الواجهة من جديد، في مشهد يحمل مزيجًا من الفرح والقلق، ويمنح آلاف الأسر شعورًا بأن الحياة تحاول استعادة بعض تفاصيلها التي غيّبتها الحرب.
ولأول مرة منذ سنوات، حمل طلاب غزة حقائبهم وتوجهوا إلى المراكز والنقاط التعليمية، في محاولة لاستئناف مسيرتهم الدراسية بعد أن خلّفت سنوات الحرب فجوة طويلة في العملية التعليمية.
وبينما تبدو العودة، في ظاهرها، بداية لعام دراسي جديد، فإنها تمثل في الواقع محاولة لاستعادة مسار تعليمي انقطع قسرًا؛ فلم يكن غياب المدارس مجرد توقف للدروس والامتحانات، بل امتد أثره إلى تفاصيل الحياة اليومية للأطفال.
فبعد أن اعتادوا على الصفوف والمعلمين والأصدقاء، وجد كثير منهم أنفسهم أمام واقع جديد من النزوح وعدم الاستقرار، بعيدًا عن البيئة التعليمية التي اعتادوها.
ثلاث سنوات خارج مقاعد الدراسة تركت فجوة تعليمية كبيرة، خصوصًا لدى الأطفال الذين حُرموا من مراحل متتالية من التعليم. ولذلك، لا تنتظر العائلات من المدارس أن تعود إلى دورها التقليدي فحسب، بل تأمل في إطلاق برامج تساعد الطلبة على تعويض ما فاتهم، ومراعاة الفوارق الكبيرة في مستوياتهم التعليمية.
كما أن الأطفال الذين عاشوا سنوات الحرب والنزوح يحتاجون إلى بيئة مدرسية أكثر احتواءً، تراعي آثار التجربة التي مروا بها، وتمنحهم الشعور بالأمان والاستقرار.
ولا تعني عودة التعليم أن آثار الانقطاع قد انتهت؛ فالطريق أمام القطاع التعليمي لا يزال طويلًا، بدءًا من توفير المدارس والأماكن المناسبة للتدريس، وصولًا إلى تأمين الكتب والمستلزمات التعليمية، وإعادة تأهيل المعلمين والطلبة.
وتبقى مهمة تعويض الفاقد التعليمي واحدة من أكبر التحديات، إلى جانب الحاجة إلى التعامل مع الأطفال الذين أصبحوا بحاجة إلى دعم تعليمي ونفسي واجتماعي متواصل، بعد سنوات من الحرب والنزوح.
أمام بقايا مدرسة في جباليا
ومنذ ساعات الصباح الباكر من التاسع عشر من أيلول/سبتمبر الجاري، اصطحبت منى نصر طفلها إلى بقايا مدرسة بقيت صامدة وسط ركام بلدة جباليا، محاولة تحفيزه على الذهاب إلى المدرسة واستئناف تعليمه.
وتقول نصر لـ”قدس برس”: “الحرب سلبت من وحيدي ثلاث سنوات. كان قبلها يجيد القراءة والكتابة بطلاقة، أما الآن فقد تأخر مستواه التعليمي، وهو ما تعاني منه جميع الأمهات في القطاع”.
وأضافت: “نتمنى، بعودة التعليم ولو لم يكن كما في السابق، أن يساعدنا ذلك في الحفاظ على أبنائنا من الجهل، والعودة إلى حياة فقدوها بسبب الحرب”.
وأشارت إلى أن واقع التعليم الحالي “ليس مناسبًا للأطفال، سواء من حيث البيئة أو الكادر التعليمي أو المحيط”، لكنه، بحسب رأيها، “يبقى أفضل من التعليم الإلكتروني أو غياب التعليم بشكل كامل”.
الأمل يعود إلى مقاعد الدراسة
ولا يبدو الحال مختلفًا عند الأم مريم يونس، التي جهزت أبناءها الأربعة للالتحاق بمقاعدهم الدراسية في مدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في النصيرات.
وتؤكد يونس لـ”قدس برس” أن عودة التعليم “تعطينا بعض الأمل ببدء عودة الحياة إلى ما كانت عليه قبل الحرب، وكذلك عودة التعليم بقوته وجودته”.
وأوضحت أن عودة التعليم “تعني البدء من جديد، ورسم مستقبل يليق بأحلام أطفالنا، تاركين خلفنا كل ما مضى، ليبدأوا عامًا بروح جديدة وعزيمة أقوى، وإصرار لا يعرف المستحيل”.
وبينما يقرع جرس المدرسة من جديد، لا تزال أمام أطفال غزة وأسرهم رحلة طويلة لاستعادة ما فقدوه خلال سنوات الحرب، ليس فقط على مستوى التحصيل الدراسي، وإنما أيضًا على مستوى الأمان والاستقرار والحياة اليومية التي انقطعت عنهم.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY