بعد ثلاثة أعوام على عملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها المقاومة الفلسطينية في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لا تزال “إسرائيل” تتعامل مع ذلك اليوم باعتباره نقطة تحول مفصلية في تاريخ منظومتها الأمنية والاستخبارية.
فالعملية لم تكشف فقط عن ثغرة على الحدود مع قطاع غزة، بل أظهرت، وفق تحقيقات إسرائيلية رسمية وعسكرية، سلسلة من الإخفاقات المتراكمة في التقدير الاستخباري، وقراءة نوايا حركة “حماس”، وتبادل المعلومات، والجاهزية العملياتية، وآليات اتخاذ القرار.
وأظهرت التحقيقات العسكرية الإسرائيلية أن الإخفاق لم يكن نتيجة غياب المعلومات بالكامل، بل ارتبط بصورة أساسية بكيفية تفسيرها والتعامل معها؛ إذ كانت لدى الأجهزة الأمنية معلومات وتحذيرات ومؤشرات غير اعتيادية قبل الهجوم، لكنها لم تتحول إلى تقدير استخباري واضح بأن مواجهة واسعة وشيكة.
وأقر تحقيق للجيش الإسرائيلي بأن المعلومات المتوافرة ليلة السابع من أكتوبر كانت كافية، لو جرى تحليلها بصورة مختلفة، لرفع مستوى الإنذار واتخاذ إجراءات أكثر جدية.
“الفشل التصوري”.. حين أخطأت “إسرائيل” في قراءة نوايا المقاومة
ومن أبرز ما كشفته التحقيقات الإسرائيلية أن بعض المؤشرات المتعلقة بالهجوم كانت معروفة لدى الأجهزة الإسرائيلية قبل وقوعه. وتحدثت التحقيقات عن نشاط غير اعتيادي على الحدود، وتحركات واتصالات، ومؤشرات أخرى خلال الساعات التي سبقت الهجوم، إلا أن بعضها فُسر على أنه استعدادات أو تدريبات، وليس تحضيراً لهجوم واسع.
وفي آذار/مارس 2025، أقر جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي “الشاباك”، في تحقيقه الداخلي، بوجود إخفاقات جوهرية، وقال إن الجهاز أخطأ في فهم نوايا “حماس” ولم يتعامل بصورة كافية مع التحذيرات المتوافرة.
وخلص التحقيق إلى أن تغيير طريقة عمل الجهاز في السنوات السابقة للهجوم وفي ليلة السابع من أكتوبر كان يمكن أن يساهم في منع وقوعه.
وأظهرت التحقيقات العسكرية كذلك وجود فجوة بين المعلومات المتاحة والصورة الاستخبارية التي تشكلت لدى صناع القرار. ووفق نتائج تحقيقات مديرية الاستخبارات العسكرية، كان هناك نقص في جمع بعض المعلومات الحيوية المتعلقة باستراتيجية “حماس” ونواياها، إلى جانب قصور في ربط المعطيات المتفرقة ببعضها بعضاً.
“طوفان الأقصى” وإسقاط النظرية الأمنية الإسرائيلية
ويرى المختص في الشأن الأمني أيمن إسماعيل أن عملية “طوفان الأقصى” أسقطت النظرية الأمنية التي قام عليها الكيان الإسرائيلي، والتي وضع أسسها فلاديمير جابوتنسكي، والمعروفة بـ”نظرية الجدار الفولاذي”، والقائمة على ثلاثة محاور: “الإنذار المبكر، وحرب سريعة وخاطفة على أرض العدو، وتحقيق الردع”.
وقال إسماعيل، في حديث لـ”قدس برس”، إن المقاومة الفلسطينية “كسرت البنود الثلاثة خلال ساعات”، مؤكداً أنها نجحت في تضليل “أعتى قوة استخبارات في المنطقة”، وهو ما يرتبط، وفق رأيه، بالبند الأول من النظرية الأمنية الإسرائيلية، المتمثل في “الإنذار المبكر”.
وأوضح أن هذا الإخفاق كانت له “آثار مادية وعملياتية ومعنوية” على إدارة مجريات المعركة التي دارت خلال الهجوم، وكذلك على معارك الدفاع الإسرائيلية التي تلت ذلك.
وأضاف أن المقاومة أسقطت خلال ساعات فرقة عسكرية كاملة في جيش الاحتلال، “فقتلت ما قتلت وأسرت ما أسرت”، معتبراً أن ذلك أسهم في كسر “أكذوبة الجيش الذي لا يقهر”.
ورأى إسماعيل أن هذا البعد كان من بين العوامل التي دفعت الاحتلال إلى شن حرب واسعة على قطاع غزة، مضيفاً أن المقاومة، منذ اللحظة الأولى، أدارت الحرب الإعلامية والمعنوية “دفاعاً وهجوماً”، واستطاعت، بحسب تقديره، “كسب المعركة الأخلاقية”.
وقال إن ذلك وضع “إسرائيل” في “موقف عزلة لم تعرفها منذ قيامها”، معتبراً أن الأمر لا يقتصر على الجانب السياسي، بل تترتب عليه تبعات دبلوماسية واقتصادية وآثار على التعاون العسكري وغيرها من الملفات.
وتابع: “لا أبالغ إذا قلت إن 7 أكتوبر حطم المشروع الصهيوني في المنطقة، فبعد أن قارب على الوجود الطبيعي في المنطقة ضمن مشروع التطبيع، قام أبو إبراهيم بإشعال فتيل الحرب الإقليمية التي توعد بها”.
وشدد إسماعيل على أن السابع من أكتوبر “أظهر زيف هذه الدولة وضعفها وركاكتها”، معتبراً أن ما فعلته إسرائيل خلال ستة أيام في حرب عام 1967 “لم تقوَ على الوصول إليه في ثلاث سنوات اليوم”.
وأضاف أن “سبب الهزيمة كان ضعف العرب لا قوة إسرائيل”، على حد تعبيره، واصفاً “إسرائيل” بأنها “كيان هش، لا عمق استراتيجي له، ولا قوة ديموغرافية لديه، ولا عمق تاريخياً ينجده، ولا بعد جغرافي يعطيه فوقية وقدرة على المناورة”.
المفاجأة والتضليل في إسقاط فرقة غزة
بدوره، أكد الكاتب والمختص السياسي مأمون أبو جراد أن المقاومة الفلسطينية هزمت “فرقة غزة” عسكرياً، مرجعاً ذلك إلى عدد من الأسباب، في مقدمتها عنصر المفاجأة وغياب الاستعداد لمثل هذه العملية وعدم توقع تنفيذها.
وقال أبو جراد إن من أبرز الأسباب التي أدت إلى هزيمة “فرقة غزة” خلال ساعات، عدم وجود تحصينات كافية تحول دون تنفيذ هجوم من قطاع غزة، والاعتماد بصورة أساسية على السياج الإلكتروني على الحدود.
وأضاف، في حديث لـ”قدس برس”، أنه “على المستوى الأمني، استطاعت المقاومة، عبر سنوات من العمل الأمني المنظم، الوصول إلى معلومات ثمينة حول آلية عمل فرقة غزة ونشاطها، وهو ما ساهم في قدرتها على رصدها والتعامل معها”.
وأشار إلى أن عملية التضليل التي نفذتها المقاومة كانت واضحة، موضحاً أن “أبو إبراهيم” اتبع نهجاً يقوم على عدم المشاركة في جولات التصعيد التي استهدفت حركة الجهاد الإسلامي، والتي سبقت عملية “طوفان الأقصى”.
وشدد أبو جراد على أن الجانب الإسرائيلي “أخفق إخفاقاً ذريعاً في قراءة قدرات المقاومة ونواياها الحقيقية على الأرض”.
وأشار إلى أن المقاومة “حطمت أسطورة الجيش الذي لا يقهر بعدد قليل من المقاتلين، لم يتجاوز 1500 مقاتل، وهو عدد يعادل قوام لواء واحد”، متسائلاً: “كيف استطاعت المقاومة توظيف هذا العدد واقتحام الأراضي المحتلة دون أن يكون هناك انكشاف أمني؟”.
وأطلقت “كتائب القسام” الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، يو السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 عملية “طوفان الأقصى” بهجوم واسع استهدف مواقع عسكرية ومستوطنات إسرائيلية في محيط قطاع غزة، وتم خلاله أسر عدد من جنود الاحتلال ومجنديه ونقلهم إلى القطاع.
وجاءت العملية في سياق عقود من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007.
وأعقب العملية شنّ “إسرائيل” حرب إبادة غير مسبوقة على قطاع غزة، مازالت مستمرة منذ ثلاث سنوات، وترافقت مع قصف وعمليات عسكرية واسعة وحصار وتهجير جماعي وتدمير واسع للبنية التحتية. وبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، استشهد أكثر من 73 ألف فلسطيني في القطاع، فيما خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت أفعالًا ترقى إلى الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في غزة.
ويذكر أن وقف إطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، قد دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
ولكن يواصل جيش الاحتلال خروقاته اليومية لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، والتي تشمل القصف وإطلاق النار واستهداف الفلسطينيين في مناطق متفرقة من القطاع، ما يؤدي إلى سقوط شهداء وجرحى رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.
وقالت وزارة الصحة أن حصيلة الشهداء منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 ارتفعت إلى 1,462 شهيدًا، فيما بلغ عدد الإصابات 5 آلاف و151 إصابة، إلى جانب انتشال جثامين 836 شهيدًا
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY