أطلقت دولة الاحتلال مناورات عسكرية واسعة على مستوى قيادة الأركان في الجولان والمناطق المتاخمة لسوريا، في خطوة وصفت بأنها من أعلى درجات الجهوزية العسكرية. هذا التطور جاء في لحظة سياسية شديدة الحساسية داخل الجنوب السوري، حيث تتقاطع زيارات ولقاءات وتحركات دولية قد تعيد تشكيل موازين القوى وطبيعة الوجود الإقليمي والدولي في هذه الساحة.
وفي هذا السياق، تحدث خبراء ومحللون سياسيون عن أبعاد هذه المناورات ورسائلها المباشرة وغير المباشرة.
وقال الخبير الأمني والعسكري الفلسطيني رامي ابو زبيدة إن الجنوب السوري يشهد حالياً ترتيبات سياسية وأمنية حساسة، مشيراً إلى أن اللقاءات والزيارات الأخيرة تحمل إشارات واضحة إلى إمكانية حصول تغيير في ميزان القوى أو طبيعة الوجود الدولي والإقليمي في المنطقة. وأشار إلى أن إسرائيل تريد القول عبر هذه المناورات إنها تتابع التطورات بدقة وجاهزة لأي سيناريو مهما كان المسار السياسي.
ونوه ابو زبيدة في حديثه لـ”قدس برس” بأن المناورة الحالية التي تركز على تقييم الوضع واتخاذ القرار السريع وإدارة القوات في ظروف متغيرة تعكس رغبة الجيش الإسرائيلي في اختبار جهوزية القيادات للتعامل مع أحداث قد تفرض نفسها بشكل مفاجئ على الجبهة الشمالية. ولفت إلى أن الاحتلال يتعامل مع التحركات السياسية بوصفها مؤشراً لاحتمالات التغيير، لذلك تبعث المناورة رسالة مزدوجة بأن إسرائيل مستعدة ميدانياً، وأن أي ترتيبات أمنية أو سياسية في المنطقة مع الأتراك أو الأميركيين أو الروس لن تكون ملزمة لها ما لم تنسجم مع رؤيتها الأمنية.
وأشار إلى أن رفع مستوى الجهوزية ومحاولة إعادة رسم قواعد الاشتباك في هذا التوقيت يحمل دلالات واضحة، فالجولان بالنسبة لإسرائيل ليس مجرد حدود بل مسرح عمليات حساس تستخدمه عادة لإرسال رسائل إقليمية، خاصة عندما تتزامن التحركات العسكرية مع مؤشرات سياسية متسارعة. وأضاف أن المناورة، بما تشمله من نشاط جوي واسع وحركة قوات وانفجارات، تُقرأ كمحاولة لإظهار الجاهزية الكاملة أمام مختلف الأطراف من واشنطن إلى دمشق وأنقرة وطهران، حيث تريد إسرائيل التأكيد أنها لن تنتظر تشكل الترتيبات الجديدة في الجنوب السوري، بل ستسعى لتثبيت قواعد الاشتباك التي تناسبها مسبقاً.
وقال أبو زبيدة إن هذا السلوك ينسجم مع العقيدة الأمنية الإسرائيلية القائمة على المبادرة ومنع الخصوم أو الوسطاء من فرض معادلات جديدة. وأوضح أن التحليق المكثف ليس مجرد تدريب بل رسالة ردعية بأن الجيش الإسرائيلي حاضر لمنع أي طرف من ملء الفراغ الناشئ عن تفاهمات قد تتشكل في الجنوب.
وفي ما يتعلق بتحول تقدير الموقف، أكد أبو زبيدة أن المناورات تعكس تحولاً تدريجياً داخل المؤسسة الأمنية تجاه الجبهة السورية، إذ لم تعد تُعامل كجبهة تهديد منخفض، مشيراً إلى أن تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية تشير إلى أن الجنوب قد يشهد ترتيبات جديدة، وأن وجود لاعبين إقليميين، وعلى رأسهم تركيا وإيران، قد يعيد تشكيل التوازنات. وأضاف أن هذا التغير يدفع تل أبيب للتعامل مع الساحة السورية كساحة قادرة على إنتاج مفاجآت سياسية أو عسكرية، وهو ما يفسر رفع مستوى التدريب والتركيز على سيناريوهات القيادة والسيطرة.
وعلى مستوى السلوك المتوقع، قال إن إسرائيل قد تتجه إلى مزيد من اليقظة وربما خطوات استباقية لضبط التموضع في الجنوب ومنع عودة خطوط الدعم إلى قوى المقاومة أو تشكل تكتلات ذات طابع جهادي، إضافة إلى الإصرار على تثبيت وجود عسكري فعال في الجنوب، في إطار إعادة تعريف الجبهة السورية بوصفها جزءاً من معادلة الردع تجاه أطراف عدة، وفي مقدمتها السلطات الجديدة في سوريا وتركيا وإيران.
من جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي السوري إبراهيم الجبين إن تزامن المناورات مع التحركات السياسية يشير إلى خشية إسرائيل من الدور الذي قد تلعبه سوريا عبر التحالفات الجديدة، وخاصة مع الولايات المتحدة. ولفت إلى أن إسرائيل تحاول منع تطور العلاقة بين واشنطن ودمشق لأن أي تحول جيوسياسي في موقع سوريا سيغيّر معادلات المنطقة، وقد يفقد إسرائيل بعضاً من أدوارها التقليدية في الشرق الأوسط.
وأشار الجبين إلى أن إسرائيل تسعى للتدخل بقوة في المشهد السوري، مؤكداً أن ما قامت به حتى الآن يشكل ضغطاً شديداً على الإدارة السورية، مقابل استراتيجية تعتمدها القيادة السورية تمتنع فيها عن الانخراط في معركة مباشرة مع إسرائيل. وأوضح أن تل أبيب تريد تأسيس قواعد اشتباك جديدة، بل تسعى إلى حرب تحقق منها مكاسب سياسية وعسكرية، دون أن يعني ذلك دعم الدروز أو الأكراد، بل استخدام هذه الأوراق للوصول إلى أهدافها. وأضاف أن إسرائيل لا تريد تفكيك سوريا بل تحويلها إلى دولة بنمط جديد تتغير فيها مفاهيم السيادة.
وقال الجبين إن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا تزال غير مقتنعة بسياسات نتنياهو التي تدفع نحو استمرار الحرب، مشيراً إلى أن الجيش لديه حسابات مختلفة، وأن ضغوط نتنياهو قد تصطدم بجدران عدة، بينها مؤسسات “الدولة” والأصوات المعارضة، إضافة إلى الداخل الإسرائيلي الذي لم يعد يحتمل استمرار الحرب منذ السابع من أكتوبر. ورأى أن نتنياهو يقامر بهذه المناورات وأن النتائج ليست مضمونة بالنسبة له.
وتكشف المناورات الإسرائيلية في الجولان عن مرحلة جديدة في قراءة تل أبيب للجبهة السورية، مرحلة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع التحولات السياسية والدبلوماسية في الإقليم. وبينما تسعى إسرائيل لفرض قواعد اشتباك تلائم مصالحها قبل تشكل أي ترتيبات دولية أو إقليمية، تظهر مواقف الخبراء أن المشهد أكثر تعقيداً، وأن مستقبل الجنوب السوري سيكون أحد ميادين الاختبار الرئيسية في الأسابيع والأشهر المقبلة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY