_:لم يعد التعثر الذي يحيط بتنفيذ اتفاق غزة مجرد خلاف على تفاصيل إجرائية أو تفاوضية، بل بات يعكس صراعًا حول شكل المرحلة المقبلة في القطاع، وحدود الأدوار الإسرائيلية والأميركية والفلسطينية والدولية فيها.
وبينما تحاول إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الدفع بخطتها إلى الأمام، تبدو حكومة بنيامين نتنياهو أكثر حذرًا في التعامل مع البنود التي قد تفرض تغييرًا في المعادلة الأمنية القائمة.
وتشير صحيفة /هآرتس/ الإسرائيلية إلى أن خطة ترامب تقوم على مبدأ المقايضة بين نزع سلاح حركة “حماس” والانسحاب الإسرائيلي، إلا أن حكومة نتنياهو تعرقل خطوات أساسية مرتبطة بالخطة.
كما أن التباين بين ترامب ونتنياهو لم يعد خافيًا، إذ تحدثت تقارير عن اتساع الفجوة بين الرجلين، في ظل اختلاف الأولويات والضغوط السياسية التي يواجهها كل طرف.
في جوهره، يدور الخلاف حول السؤال الأصعب: كيف ستُدار غزة بعد وقف الحرب؟ ومن سيتولى مسؤولية الأمن فيها؟
فالرؤية الأميركية تدفع باتجاه صيغة تتضمن انتقالًا تدريجيًا إلى ترتيبات جديدة، تشمل قوة استقرار دولية وأجهزة أمن فلسطينية، بالتوازي مع نزع سلاح حركة “حماس” وانسحاب إسرائيلي تدريجي.
أما الحكومة الإسرائيلية، فتتعامل مع هذه الترتيبات من زاوية مختلفة؛ إذ تريد ضمان ألا يؤدي الانسحاب أو دخول أطراف دولية وفلسطينية إلى تقليص قدرتها على التعامل مع أي تهديد تعتبره أمنيًا.
وهنا تتحول تفاصيل مثل فتح المعابر أو إدخال قوة دولية إلى قضايا سياسية وأمنية تتجاوز بكثير حجمها الميداني.
اختلاف في الأسلوب أم خلاف في الرؤية؟
الكاتب والمحلل السياسي حاتم الهرش أكد أن ما يجري بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية يمكن اعتباره “اختلافًا” وليس “خلافًا”، لأن الطرفين، بحسب تقديره، متفقان على السيناريو العام، فيما يكمن الاختلاف في طريقة إخراجه وتنفيذه.
وأوضح الهرش أن حكومة الاحتلال تميل إلى موقف متشدد إزاء مختلف الملفات المتعلقة بقطاع غزة، متأثرة باعتباراتها الداخلية في المشهد السياسي الإسرائيلي والاستحقاقات الانتخابية المقبلة، في حين تسعى الإدارة الأميركية إلى مشهد أقل حدة، تبدو فيه أكثر براغماتية على مستوى الطرح والإجراءات.
وقال الهرش لـ”قدس برس” إن الخلاف لا يمكن اعتباره جوهريًا بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن الطرفين متفقان على تفكيك المقاومة ونزع سلاحها.
وأضاف أن حساسية الموقف الإسرائيلي ناجمة عن طبيعة المشهد السياسي الداخلي، إذ يتجه الرأي العام الإسرائيلي نحو مزيد من اليمينية والتطرف، فيما قد يُنظر إلى أي إجراء، حتى لو كان شكليًا، من جانب أي طرف إسرائيلي على أنه تراجع أو تقديم لتنازلات، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على استطلاعات الرأي والمشهد الانتخابي الإسرائيلي.
وأشار إلى أن التشدد والتطرف في التعامل مع مختلف الملفات المتعلقة بقطاع غزة باتا يمثلان رصيدًا سياسيًا لأي طرف إسرائيلي، ولذلك يتسابق الساسة الإسرائيليون في التعبير عن مواقفهم المتشددة تجاه غزة، سواء عبر التصريحات والمواقف، أو من خلال الإجراءات والسياسات على الأرض.
وأوضح أن أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى حكومة الاحتلال هو ملف نزع سلاح المقاومة، مشيرًا إلى أن الاحتلال معني أيضًا بألا يوافق على أي إجراء يمكن أن يسهم في إعادة الحياة إلى قطاع غزة، حتى على صعيد زيادة المساعدات الإنسانية، فضلًا عن ملفات أخرى، مثل إعادة الإعمار.
وأردف أن تجربة الأشهر الماضية في العلاقة بين الإدارة الأميركية وحكومة الاحتلال لا تشير إلى أن الأخيرة انصاعت لأي مطلب أميركي، بل على العكس، ظلت تتعامل بدرجة عالية من التعنت، فيما لم تُظهر الإدارة الأميركية رغبة حقيقية في تغيير السلوك الإسرائيلي.
وأضاف أن الإدارة الأميركية قبلت، في كثير من الأحيان، ما وصفها بحركات الالتفاف التي تمارسها حكومة الاحتلال، معتبرًا أن الحالة الأخيرة مثال على ذلك، حيث يسعى الاحتلال إلى إدخال قوات دولية إلى «مناطق تجريبية» في غزة، وهي، بحسب تقديره، مناورة تهدف إلى إظهار وجود مسار متقدم على الأرض، بينما لا يحدث، في الواقع، تغيير جوهري.
“إسرائيل”: الأمن أولًا
في المقابل، يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد بخيت أن الخلاف بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو “جوهري وحقيقي وعميق”، وليس مجرد خلاف شكلي، لافتًا إلى أن ذلك يظهر بوضوح من خلال اختلاف نظرة كل طرف إلى الاتفاق.
وقال بخيت إن الإسرائيليين يصرون دائمًا، في أي اتفاق، على أن تكون مسألة أمن “إسرائيل” في مقدمة الأولويات، مستشهدًا باتفاقية السلام مع مصر عام 1978، واتفاقيات “أوسلو”، واتفاقيات التطبيع، واتفاقيات التهدئة في لبنان وغزة.
وأضاف لـ”قدس برس” أن أي اتفاق، حتى لو كان قصير الأمد أو عبارة عن تهدئة مؤقتة أو اتفاق سلام، لا يتضمن، من وجهة النظر الإسرائيلية، ضمانات واضحة لأمن “إسرائيل”، لن يكون مقبولًا أو قابلًا للتنفيذ على الأرض.
وأوضح أن هناك، وفق الرؤية الإسرائيلية، اشتراطًا أساسيًا يتمثل في أن تتولى إسرائيل بنفسها توفير أمنها، بمعنى أن تكون هي الجهة التي تقدر المخاطر الأمنية وتحدد كيفية التعامل معها وتتحمل مسؤولية تنفيذ ذلك.
وتابع أن الحكومة الإسرائيلية لا تسمح لأي طرف، في أي وقت أو مكان في المنطقة، بأن ينوب عنها في توفير أمنها، سواء أكانت قوات حفظ سلام، أم قوات استقرار، أم جهات فلسطينية أو عربية، أم أي طرف آخر.
وأشار إلى أن “إسرائيل” ترى أن مجرد تخزين السلاح أو جمعه وحصره لدى لجنة تكنوقراط فلسطينية، أو لدى جهة فلسطينية أو عربية، لا يكفي. ووفق الرؤية الإسرائيلية، يجب أن تسلّم حركة “حماس” سلاحها بالكامل إلى “إسرائيل”، وبذلك، من وجهة نظرها، تكون قد ضمنت تحقيق مصالحها الأمنية في أي اتفاق.
وأوضح أن الأميركيين لا يريدون التعامل مع الملف بالطريقة نفسها، ولا ينظرون إليه من الزاوية التي تنظر بها “إسرائيل”، مشيرًا إلى أن إدارة ترامب تميل إلى عقد صفقات سريعة وتحقيق نتائج ملموسة في وقت قصير، مستشهدًا بتجارب الإدارة الأميركية في ملفات إقليمية ودولية مختلفة.
وبينما تتقاطع واشنطن و”تل أبيب” في الهدف العام المتعلق بترتيبات ما بعد الحرب ونزع سلاح حماس، فإن الخلاف بينهما يبدو أكثر وضوحًا في آليات التنفيذ، وطبيعة الضمانات الأمنية، ودور الأطراف الدولية والفلسطينية، وحدود الانسحاب الإسرائيلي.
وتواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي خرق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عبر القصف الجوي والمدفعي تجاه أماكن النازحين، إلى جانب عمليات النسف والتدمير داخل ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، مع الاستمرار في القيود على حركة البضائع والمساعدات والسفر.
ووفق بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، ارتفع عدد الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي إلى 1352 شهيداً، إضافة إلى 45111 مصاباً، إلى جانب تسجيل 826 حالة انتشال.
كما بلغت الحصيلة الإجمالية للعدوان منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 نحو 73,658 شهداء و174,622 إصابة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY