لا يبدو تقليص خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” في لبنان مجرد إجراءات إدارية أو مالية بالنسبة إلى اللاجئين الفلسطينيين، بل بات ينعكس بصورة مباشرة على تفاصيل حياتهم اليومية، من المدرسة والعيادة وصولًا إلى المساعدات النقدية والغذائية، في وقت تتزايد فيه الأعباء الاقتصادية وتتراجع قدرة الأسر على تحمّل كلفة الخدمات الأساسية.
ويجد اللاجئ الفلسطيني نفسه أمام معادلة أكثر صعوبة: خدمات تتقلص أو تتغير طبيعتها، مقابل ارتفاع كلفة التعليم والعلاج والاحتياجات المعيشية، فيما تؤكد شهادات لاجئين وناشطين أن المبادرات الأهلية والجمعيات، رغم أهميتها، لا تملك القدرة على سد الفجوة التي تتركها وكالة أممية بحجم “أونروا”.
اللاجئ يدفع من دخله مقابل خدمات يفترض أن يحصل عليها من “أونروا”
وقال مدير “الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين” علي هويدي، إن اللاجئ الفلسطيني في لبنان “بات يدفع من دخله لتغطية خدمات كان يفترض أن يحصل عليها من أونروا”، مشيرًا إلى أن ذلك يشمل قطاعات الصحة والتعليم والإغاثة.
وأوضح هويدي، في تصريح خاص لـ”قدس برس”، أن هذه الأعباء تأتي في ظل واقع اقتصادي صعب، مشيرًا إلى أن نسبة الفقر بين اللاجئين الفلسطينيين، وفق تقديره، تتجاوز 80 بالمئة، فيما تتجاوز البطالة 45 بالمئة، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار في لبنان، الأمر الذي يضع أعباء اقتصادية واجتماعية كبيرة على الأسر الفلسطينية.
وفي قطاع التعليم، وصف هويدي الوضع بأنه “كارثي”، مشيرًا إلى إغلاق مدرسة رفح في طرابلس ومدرسة البيرة في بيروت، ومحاولات إغلاق مدرسة في مخيم البرج الشمالي حالت تحركات الأهالي دون تنفيذها، وفق قوله.
وأضاف أن زيادة أعداد الطلاب داخل الصفوف، إلى جانب ما وصفه بتقليص أيام الدوام إلى أربعة أيام بدلًا من خمسة، وخصم 20 بالمئة من رواتب الموظفين، ينعكس على العملية التعليمية، ويزيد الأعباء على الطلاب والمعلمين والأهالي.
أما في الجانب الصحي، فأشار إلى معاناة مرضى السرطان مع ارتفاع كلفة العلاج، موضحًا أن تغطية “أونروا” لمبالغ محددة من العلاج قد لا تكفي في بعض الحالات، ما يدفع المريض إلى تأمين الفارق من ماله الخاص أو عبر حملات ومساعدات أهلية.
وقال إن المشكلة لا تقتصر على مرضى السرطان، بل تشمل الأمراض المزمنة والأدوية والفحوصات والصور الطبية، لافتًا إلى أن الأسرة الفلسطينية “لا تستطيع أبدًا تحمّل كلفة العلاج ولا حتى كلفة الدواء”.
وفي ملف الإغاثة، أشار هويدي إلى توقف شبكة الأمان الاجتماعي التي كان يستفيد منها، بحسب قوله، نحو 60 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان، مع استمرار معاناة اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا في الحصول على احتياجاتهم.
ورأى أن تقليص الخدمات يفاقم الضغوط الاجتماعية داخل المخيمات، محذرًا من انعكاساته على الاستقرار الاجتماعي والأمني، ومشددًا على ضرورة استمرار الخدمات الأساسية لـ”أونروا”، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الوكالة والمرجعيات الفلسطينية والجهات اللبنانية المعنية.
تقليص الخدمات يمس جوهر الولاية الأممية
من جهته، قال الناشط والباحث الحقوقي حسن السيدة، من مخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين في مدينة صور جنوب لبنان، إن مسؤولية “أونروا” تجاه اللاجئين الفلسطينيين هي مسؤولية دولية مفوّضة من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتشمل تقديم خدمات أساسية في مجالات التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية والبنية التحتية في المخيمات.
وأوضح السيدة، في تصريح خاص لـ”قدس برس”، أن هذه المسؤولية «”يست عملًا خيريًا قابلًا للتوقف المفاجئ”، وإنما مرتبطة باستمرار حالة اللجوء، معتبرًا أن الوكالة تمثل شاهدًا دوليًا وإنسانيًا على قضية اللاجئين وحقوقهم إلى حين الوصول إلى حل سياسي لقضيتهم.
وأضاف أن استمرار تقليص الخدمات يؤثر بصورة “جذرية وخطيرة” في قدرة “أونروا” على تنفيذ ولايتها، لأن التقليص لا يقتصر، برأيه، على الجانب التشغيلي، وإنما يمس مضمون الدور الذي أُنشئت الوكالة للاضطلاع به.
وأشار إلى أن تقليص التغطية الصحية، وزيادة كثافة الصفوف، وتقليص المساعدات الغذائية الطارئة، من شأنه أن يضعف قدرة اللاجئين على الصمود، معتبرًا أن تراجع الخدمات الأساسية يحمل أيضًا أبعادًا حقوقية، باعتبار أن التعليم والصحة والغذاء من الحقوق الأساسية التي أقرتها المواثيق الدولية.
وأكد السيدة أن مسؤولية استمرار خدمات “أونروا” لا تقع على عاتق الوكالة وحدها، في ظل اعتمادها بدرجة كبيرة على التمويل الطوعي، داعيًا الدول المانحة والمجتمع الدولي إلى ضمان تمويل مستدام لها.
“أونروا” عنصر أمان.. والمبادرات الأهلية لا تسد الفجوة
وفي شهادة من داخل المجتمع الفلسطيني، قال الناشط الشبابي وعضو “الحراك الشبابي الفلسطيني المستقل” محمد حسون، من مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في مدينة صيدا جنوب لبنان، إن تقليص الخدمات انعكس على خيارات الأسر الفلسطينية، مشيرًا إلى أنه كان ينوي تسجيل أبنائه في مدارس “أونروا”، لكنه اضطر إلى اللجوء إلى المدارس الرسمية بسبب ما وصفه بالإشكالات المرتبطة بدمج المدارس وأعداد الطلاب والدوام.
وأوضح حسون، في تصريح خاص لـ”قدس برس”، أن الاكتظاظ داخل الصفوف يؤثر في قدرة المعلمين على تقديم الشرح الكافي، وينعكس على جودة التعليم، بينما تصبح محاولة تعويض النقص عبر التعليم الخاص أو الدروس الخصوصية عبئًا ماليًا إضافيًا على الأسر.
وفي الجانب الصحي، قال إن أكثر ما يثير قلقه هو الاستشفاء، مشيرًا إلى أن الفوارق المالية في تغطية العلاج يمكن أن تكون مرتفعة جدًا، خصوصًا عندما يحتاج المريض إلى خدمات خارج نطاق التغطية التي يستطيع اللاجئ الحصول عليها.
وأضاف أن وجود “أونروا” يمثل “عنصر أمان” للاجئ الفلسطيني، لأنه يشعر بوجود مؤسسة ترعى وضعه في حال تعرضه لمرض أو طارئ.
وفي المقابل، رأى حسون أن المبادرات والجمعيات الأهلية لا تستطيع سد الفراغ الذي تتركه “أونروا”، موضحًا أن المساعدات التي تقدمها غالبًا ما تكون موسمية ومحدودة، ولا تتناسب مع حجم الاحتياجات المتزايدة داخل المخيمات.
وقال إن “أونروا لا يوجد بديل عنها كمؤسسة دولية”، معتبرًا أن الفجوة بين حجم الاحتياجات وحجم الموارد المتاحة للمبادرات الأهلية واسعة جدًا.
أوقفوا مساعدة الأطفال.. والأسر تضطر إلى “التضييق على نفسها”
وتقدّم الناشطة والصحفية فاديا منصور، من مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في مدينة طرابلس شمال لبنان، نموذجًا مباشرًا على أثر تقليص المساعدات على الأسرة الفلسطينية، مشيرة إلى توقف مساعدة مالية كانت تبلغ 50 دولارًا للطفل كل ثلاثة أشهر.
وقالت منصور، في تصريح خاص لـ”قدس برس”، إن المبلغ، رغم محدوديته، كان يساعد الأسر في تأمين احتياجات الأطفال الأساسية، مثل الملابس وغيرها من المستلزمات، وإن توقفه دفع العائلات إلى “التضييق على نفسها أكثر والاقتصاد في كل شيء”.
وأضافت أن الأسر لجأت إلى الاعتصامات والتحركات الاحتجاجية للمطالبة بإعادة المساعدة، لكنها لم تعد حتى الآن، مؤكدة أنها تحاول الابتعاد عن الاستدانة وطلب المساعدة، “لكن في بعض الأحيان تكون الظروف أقوى منا”.
وفي التعليم، أشارت إلى أن دمج المدارس أدى إلى زيادة الاكتظاظ داخل الصفوف، معتبرة أن ذلك ينعكس على قدرة المعلمين على ضبط الصفوف، وعلى مستوى تركيز الأطفال واستفادتهم من العملية التعليمية.
كما تحدثت عن تأثير تقليص الخدمات الصحية، قائلة إن بعض الأسر تضطر إلى شراء الدواء أو مراجعة طبيب خارج خدمات “أونروا” عندما تصادف حالة مرضية في أيام إغلاق العيادات، ما يعني تكاليف إضافية لا تستطيع الأسرة تحملها دائمًا.
وحذرت منصور من أن استمرار تقليص الخدمات سيضع الأسر الفلسطينية أمام أعباء إضافية، خصوصًا أن عائلات كثيرة في المخيمات لا تستطيع تحمل تكاليف التعليم الخاص أو العلاج أو حتى المستلزمات التعليمية الأساسية.
أوضاع اقتصادية صعبة وخدمات تحت الضغط
وتأتي هذه المخاوف في وقت تعمل فيه “أونروا” في لبنان وسط احتياجات إنسانية واقتصادية وأمنية متزايدة.
ووفق نداء الوكالة الإنساني لعام 2026، يعيش أكثر من 80 بالمئة من لاجئي فلسطين في لبنان تحت خط الفقر، في ظل استمرار الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والقيود المرتبطة بالوضع القانوني.
وفي استجابتها للطوارئ خلال عام 2026، واجهت “أونروا” اضطرابات واسعة في خدماتها؛ ففي 2 حزيران/يونيو، كانت 12 من أصل 26 عيادة ومركزًا صحيًا تابعًا لها تعمل، فيما أُغلقت 14 منشأة بسبب الوضع الأمني، بينما كانت الوكالة قد قدمت منذ بداية الطوارئ أكثر من 171 ألف استشارة طبية في منشآتها العاملة.
وفي التعليم، تدير “أونروا” 60 مدرسة في لبنان، وقد شهدت خدمات التعليم خلال عام 2026 انتقالًا بين التعليم الحضوري وعن بُعد والهجين تبعًا للظروف الأمنية؛ ففي 2 حزيران/يونيو، كانت 34 مدرسة تقدم التعليم حضوريًا، و24 مدرسة عن بُعد، فيما كانت مدرستان تجمعان بين النظامين.
كما طلبت الوكالة في آذار/مارس 2026 مبلغ 12.3 مليون دولار للاستجابة للاحتياجات الطارئة في لبنان، بهدف توفير الغذاء والمأوى والصحة والحماية والمياه والصرف الصحي لما يصل إلى 10 آلاف شخص في مراكز الإيواء، إضافة إلى 63 ألف لاجئ فلسطيني من الفئات المتضررة خارجها.
وفي ظل هذه المعطيات، لا تبدو قضية تقليص خدمات “أونروا” محصورة في حجم الخدمات التي تقدمها الوكالة، بل تمتد إلى الجهة التي ستتحمل كلفة النقص عندما تتراجع تلك الخدمات؛ إذ تشير شهادات اللاجئين والناشطين إلى أن جزءًا متزايدًا من هذه الكلفة ينتقل إلى الأسرة الفلسطينية، في وقت لا تبدو فيه البدائل الأهلية قادرة على تغطية الاحتياجات المستمرة في مجالات التعليم والصحة والإغاثة.
ويعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان منذ عقود في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، تفاقمت خلال السنوات الأخيرة بفعل الأزمة الاقتصادية والمالية التي شهدها لبنان، وما رافقها من ارتفاع كبير في أسعار السلع والخدمات وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات البطالة والفقر.
وتزداد هشاشة الأوضاع داخل المخيمات والتجمعات الفلسطينية، حيث تعتمد شرائح واسعة من اللاجئين على خدمات وكالة “أونروا” والمساعدات الإنسانية لتأمين احتياجات أساسية في مجالات التعليم والصحة والإغاثة.
وتتولى “أونروا”، منذ تأسيسها عام 1949، تقديم خدمات أساسية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، من بينها التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والخدمات الاجتماعية، فيما تشكل مدارسها ومراكزها الصحية شبكة الخدمات الرئيسية التي تعتمد عليها قطاعات واسعة من اللاجئين.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY