تواجه حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، التي تحيي هذا الشهر الذكرى الـ38 لانطلاقتها، واحدة من أعقد المراحل في تاريخها، في ظل حرب الإبادة الشاملة التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة على مدار عامين، وما رافقها من استهداف مباشر لقيادات الحركة وبنيتها العسكرية والسياسية، ومحاولات معلنة للقضاء عليها بدعم أمريكي واضح، عقب عملية “طوفان الأقصى” التي شكّلت تحولًا استراتيجيًا في مسار الصراع.
تحديات مركّبة واستهداف شامل
يقول الكاتب والمحلل السياسي المتخصص بالشأن الفلسطيني، إبراهيم المدهون، إن الحركة دفعت أثمانًا باهظة خلال عامين من المواجهة المفتوحة، تمثلت في اغتيال عشرات القادة، واستهداف مئات الكوادر، وسقوط آلاف الشهداء من أبنائها، في إطار حرب لا تستهدف غزة فقط، بل تسعى إلى تصفية الحركة سياسيًا وعسكريًا في الداخل والخارج.
ويضيف المدهون لـ”قدس برس” أن الاستهداف امتد إلى قيادات الخارج عبر التضييق السياسي والمالي وتجفيف مصادر الدعم وملاحقة نشاط الحركة عالميًا، وإبقائها على قوائم “الإرهاب”، في ظل صمت أو قبول من بعض القوى الإقليمية والدولية، ما يعمّق حجم التحديات.
ويؤكد أن هذه المرحلة تفرض على الحركة تعزيز وحدتها الداخلية، وترتيب أوراقها، وتطوير أدواتها، وابتكار سياسات جديدة قادرة على مواجهة الاستهداف العسكري والسياسي والإعلامي المتصاعد.
الإغاثة والإعمار… معركة سياسية تواجهها “حماس”
ويشدد المدهون على أن أي حديث عن الإغاثة وإعادة إعمار غزة يبدأ بوقف العدوان وانسحاب الاحتلال من القطاع، معتبرًا أن “الإعمار تحت القصف أو الاحتلال وهم سياسي وإنساني”.
ويحذر من محاولات الاحتلال ربط إدخال المساعدات وبدء الإعمار بالقضاء على “حماس”، مؤكدًا أن الاحتلال فشل في حسم المعركة عسكريًا، ولن ينجح في فرض شروطه عبر الابتزاز الإنساني.
ويدعو إلى “مقاربات ذكية مع الوسطاء تفصل بين الاحتياجات الإنسانية للشعب الفلسطيني وبين الصراع السياسي والعسكري، مع تحميل الاحتلال، وبدعم أمريكي، المسؤولية القانونية والأخلاقية عن تدمير غزة”.
دروس المعركة ووحدة الحركة
ويرى المدهون أن أهم ما أثبتته الحرب هو أن “قوة حماس الحقيقية تكمن في وحدتها الداخلية وتكامل مؤسساتها السياسية والعسكرية والشورية والتنفيذية”، وهو ما شكّل نواة صلبة صمدت أمام محاولات التفكيك.
ويضيف أن الشعب الفلسطيني في غزة كان خط الدفاع الأول عن المقاومة، وأن احتضانه شكّل عنصرًا حاسمًا في صمودها، ما يجعل تعزيز العلاقة مع الجبهة الداخلية والاستجابة لاحتياجاتها أولوية في مرحلة ما بعد الحرب.
إعادة التموضع الإقليمي
وفي ما يتعلق بالعلاقات الإقليمية، يؤكد المدهون أن المرحلة المقبلة تتطلب من الحركة اتباع سياسة علاقات متوازنة ومنفتحة، تقوم على عدم الارتهان لأي محور، والابتعاد عن التجاذبات الإقليمية.
ويرى أن الحركة بحاجة إلى الانفتاح المتوازن على دول الخليج، وتطوير الشراكة مع تركيا ومصر، وبناء علاقات مع الصين وروسيا، وتعزيز العلاقة مع إيران، إضافة إلى التفكير الواقعي في آليات التعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها فاعلًا مؤثرًا في المشهد الدولي.
حضور وطني متجذّر وشرعية شعبية
من جانبه، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي أحمد الحيلة أن موقع “حماس” في الخارطة الوطنية كان واضحًا قبل الحرب، إذ فرضت نفسها في الصف الوطني الأول منذ فوزها في الانتخابات التشريعية عام 2006 وحصولها على 56% من مقاعد المجلس التشريعي، ما منحها شرعية دستورية وشعبية قائمة على برنامج المقاومة.
ويشير الحيلة إلى أن هذه القاعدة الجماهيرية مكّنت الحركة من قيادة الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، لافتًا إلى أن الحرب الأخيرة، رغم قسوتها، لم تُضعف حاضنتها الشعبية، بل عززت التفاف الفلسطينيين حول المقاومة، وقدّمت لها حاضنة اجتماعية وأمنية ساعدتها على الصمود أمام أعتى عدوان تشهده المنطقة.
موقع إقليمي ودولي متقدّم
ويرى الحيلة أن مكانة الحركة تتجلى في كونها العنوان الفلسطيني الرئيسي للمفاوضات والاتصالات السياسية، وقد فرضت نفسها على الإدارتين الأمريكيتين، بايدن وترامب، ولا تزال تدير العملية التفاوضية بالتعاون مع الوسطاء للوصول إلى اتفاق ينهي الحرب على غزة.
ويشير إلى التحول اللافت في الرأي العام العالمي، خصوصًا في الدول الغربية، حيث تتصاعد موجات التضامن مع الشعب الفلسطيني وتتوسع حملات المقاطعة، مقابل عزلة سياسية وأخلاقية متزايدة لـ”إسرائيل”.
ويستشهد باستطلاعات رأي حديثة أظهرت تراجع الدعم الشعبي للاحتلال واتساع الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، في ظل اتهام “إسرائيل” بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، وإصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق قادتها.
تحديات المرحلة المقبلة
ويخلص الحيلة إلى أن أبرز التحديات التي تواجه “حماس” تتمثل في المناورة السياسية لإفشال مشاريع الوصاية الدولية، واستدامة وقف العدوان، وتأمين إدخال المساعدات وإعادة الإعمار، إضافة إلى توحيد الصف الفلسطيني على برنامج وطني جامع، واستثمار التحول في الرأي العام العالمي لصالح إنهاء الاحتلال وانتزاع الحقوق الوطنية.
وتم تأسيس حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في 15 كانون أول/ديسمبر 1987، وهو اليوم الذي صدر فيه بيانها التأسيسي إبان الانتفاضة الأولى، قبل أن يصدر ميثاقها في 18 آب/أغسطس 1988.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY