ما إن تصل إلى مفرق مطار حلب باتجاه مخيم النيرب، حتى تستقبلك بساتين الورد الممتدة على جانبي الطريق، فيما يملأ أريجها المكان مختلطًا بنسائم الربيع القادمة من السهول المحيطة بالمخيم.
ويقع مخيم النيرب للاجئين الفلسطينيين شرق مدينة حلب شمالي سوريا، بالقرب من مطار حلب الدولي، ويعد من أكبر المخيمات الفلسطينية في البلاد، إذ تقطنه عائلات فلسطينية هُجّرت من مدن وقرى فلسطين المحتلة عام 1948.
وخلال أسابيع الربيع، يتحول الورد الجوري إلى واحد من أبرز المشاهد اليومية داخل مخيم النيرب، سواء في البساتين المحيطة بالمخيم أو داخل سوق الخضار الرئيسي، حيث تتصدر أكوام الورد واجهات المحال والبسطات، فيما يملأ أريجه السوق والأزقة المتفرعة عن شارع السوق الرئيسي.
ويحرص بعض الأهالي الذين يسكنون قرب البساتين على شراء الورد مباشرة من أصحاب الأراضي الزراعية من أهالي القرى السورية المجاورة، بينما يفضل آخرون شراءه من سوق الخضار داخل المخيم، الذي يشهد حركة نشطة خلال الموسم.
وقالت أم محمد الخطيب (37 عامًا)، وهي سيدة من أبناء مخيم النيرب، لـ”قدس برس”، إن موسم الورد “له نكهة خاصة داخل المخيم”، موضحة أن كثيرًا من العائلات تحرص على شراء الورد كل عام لتحضير ماء الورد والمربيات المنزلية.
وأضافت: “أول ما تدخل السوق في هذا الموسم تشم رائحة الورد في كل المكان. وحتى داخل البيوت، نجتمع نحن والجارات حول كومة الورد في صالون البيت، ونبدأ بتنظيفه وفرزه، وتدور بيننا الأحاديث والذكريات، بينما تبقى الرائحة العطرة منتشرة في كل الزوايا”.
وأشارت إلى أن النساء داخل المخيم ما زلن يحافظن على عادة إعداد “المونة” المرتبطة بالورد، رغم ارتفاع الأسعار مقارنة بالسنوات الماضية.
بدوره، قال توفيق أبو هاشم (44 عامًا)، وهو أحد أبناء المخيم، إن موسم الورد يمنح النيرب “حالة مختلفة عن بقية أشهر السنة”، موضحًا أن البساتين المحيطة بالمخيم تتحول خلال الربيع إلى مشهد مألوف للأهالي.
وأضاف لـ”قدس برس”: “حتى الناس التي لا تشتري الورد تحب المرور من الطريق بسبب الرائحة والمنظر. هناك ارتباط نفسي عند الأهالي بهذا الموسم؛ لأنه يذكرهم بأيام قديمة وبأجواء بسيطة عاشها المخيم منذ سنوات طويلة”.
وأشار إلى أن كثيرًا من العائلات باتت تكتفي بشراء كميات قليلة بسبب الظروف الاقتصادية، لكن حضور الورد في السوق ما يزال جزءًا ثابتًا من طقوس الربيع داخل المخيم.
وفي سوق الخضار الرئيسي، المعروف بـ”الشارع النصاني”، قال الخضرجي زكريا غنام لـ”قدس برس” إن الورد الجوري يتصدر واجهة السوق خلال الموسم، موضحًا أن الأسعار تختلف بحسب النوع والجودة ووقت القطاف.
وأضاف: “عندنا الورد البلدي الأحمر، وهو الأكثر طلبًا لصناعة ماء الورد والمربى، وهناك ورد وردي وفاتح يشتريه بعض الناس للرائحة أو الزينة. السعر يتغير حسب وفرة الورد في السوق، فإذا كان الموسم غزيرًا ينخفض السعر، وإذا قلّ المعروض يرتفع مباشرة”.
وأشار إلى أن سعر الكيلوغرام هذا الموسم يتراوح بين 20 و35 ألف ليرة سورية تقريبًا، بحسب نظافة الورد وطراوته وحجم الطلب عليه، لافتًا إلى أن بعض الزبائن يشترون عدة كيلوغرامات للمونة، بينما يكتفي آخرون بنصف كيلوغرام أو كمية صغيرة “حتى تبقى رائحة الورد في البيت”.
وأوضح أن الورد المعروض في السوق يأتي من الأراضي الزراعية والبساتين القريبة التي يملكها مزارعون من القرى المحيطة بحلب، مشيرًا إلى أن الموسم ينعش الحركة التجارية داخل السوق إلى جانب منتجات ربيعية أخرى مثل الملوخية والبازلاء والفول الأخضر.
ورغم الضغوط المعيشية التي يعيشها أهالي المخيم، ما يزال موسم الورد بالنسبة لكثيرين مساحة صغيرة للفرح واستعادة الذكريات، حيث تختلط رائحة الورد الجوري بحكايات الناس وأحاديث السوق وحنينهم إلى تفاصيل الحياة القديمة في مخيم النيرب.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY