أعادت إجراءات شرطة الاحتلال الإسرائيلي في مصلى باب الرحمة بالمسجد الأقصى المبارك، الجمعة الماضية، المخاوف من تسارع محاولات فرض التقسيم المكاني داخل المسجد، في ظل استهداف متصاعد للساحات الشرقية.
ويرى مختصون في شؤون القدس أن هذه الإجراءات تهدف إلى إفراغ المنطقة من الوجود الفلسطيني، وتهيئتها لتثبيت وجود المستوطنين فيها.
وأفرغت شرطة الاحتلال، الجمعة 14 آب/أغسطس الجاري، مصلى باب الرحمة من المصلين، وأجبرتهم على مغادرته. وقال أحد عناصر الشرطة للمصلين، وفق مقاطع مصورة وشهادات متداولة من المكان: “هذا ليس أقصى، اذهبوا وصلوا في الأقصى”، في إجراء تكرر خلال الأشهر الماضية في المنطقة الشرقية من المسجد.
وتأتي هذه الحادثة بعد نحو أربعة أشهر من إعادة فتح أبواب المسجد الأقصى أمام المصلين، في 9 نيسان/أبريل الماضي، عقب إغلاق فرضته سلطات الاحتلال واستمر 40 يومًا متواصلًا، قبل أن تعلن دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس استئناف دخول المصلين إلى المسجد.
تمهيد للتقسيم المكاني
وقال الباحث في مؤسسة القدس الدولية علي إبراهيم، في مداخلة مع “قدس برس”، إن الساحات الشرقية للمسجد الأقصى، بما فيها مصلى باب الرحمة، تشهد “تصعيدًا خطيرًا” من سلطات الاحتلال وأذرعها المختلفة، معتبرًا أن الاعتداءات المتراكمة تستهدف تثبيت الوجود اليهودي في هذه المساحة تمهيدًا لفرض التقسيم المكاني.
وأوضح إبراهيم أن “جماعات المعبد” تتعامل مع الساحة الشرقية باعتبارها الحيز الأنسب لإقامة كنيس أو إيجاد مساحة تستوعب الوجود اليهودي بصورة ثابتة داخل المسجد الأقصى.
وأشار إلى أن استهداف المنطقة يرتبط، إلى جانب موقعها، بروايات دينية تلمودية تسعى تلك الجماعات إلى إسقاطها على المكان.
ولفت إبراهيم إلى أن ذلك تجلى، قبيل ذكرى ما يسمى “خراب المعبد”، في رسم رمز لما تطلق عليه الجماعات المتطرفة “المسيح المخلص” على أحد حجارة الساحة الشرقية.
وبحسب إبراهيم، تعتمد سلطات الاحتلال في تنفيذ هذا المسار على استراتيجية تراكمية تتقدم فيها الشرطة الإسرائيلية بوصفها رأس الحربة، وتشمل طرد المرابطين، ومنع المصلين من البقاء في الساحات الشرقية ومصلى باب الرحمة، وإصدار قرارات الإبعاد بحق المقدسيين، واستخدام القوة لإخلاء المكان.
وأضاف أن ذلك يترافق مع اقتحامات متكررة للمصلى، ومحاولات إفراغ محتوياته والعبث بشبكات الكهرباء، بالتزامن مع السماح للمستوطنين بأداء طقوس دينية علنية خلال اقتحامات المسجد الأقصى، والمطالبة بتخصيص مناطق داخله للدروس والطقوس التلمودية.
وحذر إبراهيم من أن سلطات الاحتلال تتجه نحو حسم هوية الأقصى، عبر تفريغ الساحات الشرقية تدريجيًا من المصلين، بحيث يصبح المستوطنون المكون الأكثر حضورًا فيها، معتبرًا أن ما يجري يمثل محاولة للقضاء على الوضع القائم وتغيير هوية المسجد بصورة نهائية.
امتداد لمعركة 2019
من جانبه، قال أستاذ دراسات بيت المقدس عبد الله معروف لـ”قدس برس” إن ما جرى في باب الرحمة الجمعة الماضية ليس إجراءً منفصلًا، وإنما يأتي ضمن سلسلة بدأت بصورة واضحة منذ عام 2019، عقب نجاح المقدسيين في إعادة فتح المصلى.
وأضاف معروف أن المقدسيين أعادوا فتح مصلى باب الرحمة في 22 شباط/فبراير 2019، بعد إغلاقه لنحو 16 عامًا، إثر حراك شعبي واسع عُرف لاحقًا باسم “هبة باب الرحمة”.
وأشار إلى أن هذا الانتصار الجماهيري شكّل حالة معيارية بُنيت عليها العديد من الهبات اللاحقة، مثل هبة الشيخ جراح وهبة باب العامود، وفرض الاعتكاف في المسجد الأقصى، وصولًا إلى الأحداث التي سبقت معركة “طوفان الأقصى”.
وأوضح معروف أن الاحتلال حاول منذ ذلك الحين تجاوز نتائج الهبة ومنع تكرار نموذج الحراك الشعبي الذي أدى إلى فتح المصلى، مشيرًا إلى أن الإجراءات المتواصلة ضد المصلين والمرابطين تستهدف إضعاف قدرة المقدسيين على التحرك الجماعي دفاعًا عن المسجد.
وأضاف أن الاحتلال يسعى الآن إلى تفريغ المنطقة الشرقية بالكامل من الوجود الفلسطيني، والقفز على نتائج العمل الشعبي الفلسطيني، ومحاولة تثبيت واقع جديد يخصص هذه المنطقة للمستوطنين.
ورأى معروف أن تحويل الساحة الشرقية إلى مساحة مخصصة لوجود المستوطنين وطقوسهم سيشكل تقسيمًا حقيقيًا للمسجد الأقصى المبارك، مهما حاول الاحتلال تقديمه بمسميات أخرى.
أهمية باب الرحمة
ويكتسب مصلى باب الرحمة أهمية خاصة لوقوعه بمحاذاة السور الشرقي للمسجد الأقصى، فيما تؤكد دائرة أوقاف القدس أن بابي الرحمة والتوبة والمنشآت المحيطة بهما جزء من معالم المسجد الأقصى المبارك.
ويرى مراقبون أن تطورات الأسابيع الأخيرة تعيد الساحة الشرقية إلى صدارة المواجهة على هوية المسجد، بعد سبع سنوات من “هبة باب الرحمة”، وسط تأكيد على أن استمرار حضور المصلين والرباط في المنطقة الشرقية يبقى عاملًا أساسيًا في منع تحويل الإجراءات الإسرائيلية المتدرجة إلى واقع دائم يكرّس التقسيم المكاني داخل الأقصى.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY