لم ينتهِ الأمر بالنسبة إلى عائلة الأسير دواس حسون عند اعتقاله؛ فمع تفجير قوات الاحتلال الإسرائيلي منزل العائلة في قرية “بيت إمرين”، شمال غرب نابلس شمالي الضفة الغربية، نهاية الأسبوع الماضي، بعد اتهامه، وفق الرواية الإسرائيلية، بتنفيذ عملية دهس أدت إلى وفاة مستوطن إسرائيلي وإصابة آخر في آذار/مارس الماضي، وهو معتقل منذ ذلك الوقت.
لكن العقوبة، في الواقع الميداني، لم تتوقف عند الشخص الذي توجه إليه الاتهامات، بل امتدت إلى عائلته التي فقدت منزلها، وإلى سكان القرية الذين وجدوا أنفسهم أمام اقتحام عسكري وإغلاق للطرق وتعطيل لحركتهم.
وهنا تتكرر صورة أوسع من مجرد هدم منزل. فالهدم العقابي، الذي تقول الأمم المتحدة إنه يشمل منازل أشخاص تتهمهم السلطات الإسرائيلية بتنفيذ هجمات، لا يصيب الفرد المستهدف وحده، بل يطال أسرته التي قد لا تكون لها أي صلة بالفعل المنسوب إليه.
وفي الربع الأول من عام 2026، وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية هدم ثمانية مبانٍ على أساس عقابي في الضفة الغربية، ما أدى إلى تهجير 12 أسرة تضم 57 شخصًا، بينهم 19 طفلًا. وأشار المكتب إلى أن المعدل الشهري للتهجير الناتج عن عمليات الهدم العقابي خلال عام 2025 كان الأعلى منذ بدء توثيق هذه العمليات عام 2009.
ولا يبدو الأثر محصورًا في العائلة. ففي عمليات الهدم، غالبًا ما تُفرض قيود على المنطقة المحيطة، وتُخلى منازل مجاورة مؤقتًا، وتُغلق طرق، وتُنفذ عمليات تفتيش واعتقالات، فيتحول الحي أو القرية إلى مساحة كاملة للعقوبة والضغط.
وكان ذلك واضحًا في قرية “تل”، جنوب غرب نابلس، التي شهدت في آب/أغسطس الماضي تفجير منزل الشهيد فاروق رمضان. ففي اليوم السابق للهدم، اقتحمت قوات الاحتلال القرية وأجبرت سكان منازل مجاورة على إخلائها تمهيدًا للعملية.
وأفاد مكتب الأمم المتحدة بأن نحو 25 منزلًا مجاورًا أُخلي سكانها أثناء عملية الهدم، فيما لحقت أضرار بأبواب ونوافذ وخزانات مياه عدد من المنازل.
ويرى المختص في الشؤون الإسرائيلية، عزام أبو العدس، أن دلالة هذه السياسة تتجاوز تدمير مبنى بعينه، إذ إنها تستخدم القوة لإيصال رسالة إلى البيئة المحيطة بالشخص المستهدف، بحيث يشعر السكان بأنهم جميعًا معرضون لتبعات أي مواجهة أو عملية. وبذلك، يتحول المنزل من ملكية خاصة إلى أداة للضغط على الأسرة والجوار والمجتمع المحلي.
ويضيف لـ”قدس برس” اليوم السبت: “هذا النمط من الإجراءات يضيف بُعدًا آخر، يتمثل في توسيع نطاق العقوبة زمنيًا ومكانيًا؛ فالاقتحام قد يسبق الهدم، والإغلاق قد يستمر بعده، وتبقى آثار العملية على الحركة والتعليم والعمل والخدمات، بما يجعل سكان المنطقة جزءًا من التداعيات رغم عدم ثبوت أي علاقة لهم بالفعل الذي تستند إليه سلطات الاحتلال في تبرير العملية”.
من الناحية القانونية، تبدو المسألة أكثر وضوحًا. فاللجنة الدولية للصليب الأحمر تؤكد أن القانون الدولي الإنساني يحظر معاقبة شخص على جريمة لم يرتكبها شخصيًا، ويكرس حظر العقاب الجماعي والأعمال الانتقامية ضد المدنيين. كما تشير إلى أن تدمير الممتلكات الخاصة من قبل القوة القائمة بالاحتلال محظور عمومًا، إلا في حالات محددة تقتضيها الضرورة العسكرية القصوى.
ومن هذا المنطلق، يرى الحقوقي محسن حسنين أن هدم منزل عائلة شخص متهم أو مطلوب لا يمكن أن يجعل الأسرة طرفًا في الفعل المنسوب إلى أحد أفرادها، وأن تحميلها تبعاته يطرح بصورة مباشرة مسألة العقاب الجماعي.
ويتابع لـ”قدس برس”: “كما أن توسيع الإجراءات لتشمل الجيران والسكان من خلال الإخلاء والإغلاق والاقتحامات يضاعف من الأثر الواقع على المدنيين الذين لا تربطهم صلة بالحادث”.
وتظهر بيانات الأمم المتحدة أن هذه الممارسات لا تأتي في فراغ. ففي عام 2026، سجل مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية موجات متكررة من الاقتحامات والقيود على الحركة والهدم، فيما أدت عمليات الهدم والإخلاء وهجمات المستوطنين والقيود المرتبطة بها إلى تهجير أكثر من 3,960 فلسطينيًا حتى مطلع أيلول/سبتمبر.
وبين منزل “بيت إمرين” الذي فُجّر صباح اليوم، ومنزل فاروق رمضان في “تل”، تتكرر المعادلة ذاتها: شخص مستهدف، وأسرة تدفع الثمن، وجيران يخرجون من بيوتهم، وقرية تُغلق طرقها وتعيش ساعات أو أيامًا تحت الاقتحام. وهكذا لا يعود الهدم مجرد إسقاط لجدران منزل، بل يتحول إلى إجراء يطال البيئة الاجتماعية بأكملها، ويجعل العقوبة تمتد من صاحب المنزل إلى عائلته، ومن العائلة إلى الجوار، ومن الجوار إلى القرية بأكملها.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY