في ظل استمرار الإضراب الذي يخوضه آلاف المعلمين الفلسطينيين في الضفة الغربية، للمطالبة بتحسين ظروفهم المعيشية والمهنية، صعّدت حكومة السلطة الفلسطينية من إجراءاتها ضد المحتجين، عبر سلسلة قرارات وُصفت بأنها الأشد منذ بداية الأزمة.
فخلال الأيام الأخيرة، تلقى عدد من المعلمين قرارات بالفصل من العمل أو النقل القسري إلى مدارس بعيدة عن أماكن سكنهم، في خطوات اعتبرها تربويون ونقابيون “محاولة لخنق الحراك وإخماد صوت المطالب”.
المعلم خالد محمود أبو وردة، العامل في إحدى مدارس بلدة يطا جنوب الخليل، كتب عبر صفحته على “فيسبوك” بعد فصله من عمله: “صبرت على الحكومة أربع سنوات عجاف، أثقلتنا الديون، وعندما وصلنا إلى قمة الفقر وأصبح مطلبنا كيس طحين، أوقفوني عن العمل”.
وأضاف: “لم أسرق في حياتي طبشورة أو قلمًا أو ورقة. ٣٥ سنة، و٣٥ جيلًا، و٥٠ ألف حصة فيزياء لم تشفع لي مطالبتي بقوت يومي. تشرفت بتخريج أجيال منهم المعلم والطبيب والمهندس والعامل الشريف”.
وختم منشوره بالقول: “الآن لا يوجد فيزياء ولا رياضيات ولا تعليم، بل معركة وجود وحياة وشرف”.
أما المعلم أحمد نصار، من مدارس مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، فقد فوجئ بقرار نقله إلى إحدى مدارس الجنوب، رغم سنوات خدمته الطويلة وكفاءته في بيئة تعليمية صعبة.
وأشار نصار إلى أن القرار جاء على خلفية مشاركته في الإضراب الأخير، مؤكدًا أنه لم يتقدم بأي طلب للنقل، وأن ما جرى هو نتيجة مباشرة لغياب الرواتب المنتظمة وانعدام أفق الحلول.
وفي شهادة أخرى، قال أحد المعلمين لـ”قدس برس”، مفضلًا عدم ذكر اسمه، إنه تعرض خلال الأسابيع الماضية لتهديدات متكررة من الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، شملت التهديد بالفصل والاعتقال والملاحقة، بسبب مشاركته في الإضراب.
وأوضح أن جهازَي الأمن الوقائي والمخابرات تواصلا معه بشكل منفصل، مباشرة أو عبر وسطاء، محذرين من استمرار موقفه، ومهددين بقطع مصادر رزقه خارج نطاق وزارة التربية والتعليم.
وفي مدينة أخرى، أفاد معلم بأن مديرية التربية والتعليم استدعته للتحقيق، حيث أُبلغ بوجود لجنة خاصة لمساءلته، وانتهى اللقاء بتهديد صريح من مدير التربية: “إذا لم تتراجع عن قرارك بالإضراب، فستواجه مشاكل قد تصل إلى حد الفصل”.
وأضاف أن جهات من اتحاد المعلمين تواصلت معه هاتفيًا، طالبة منه التراجع عن الإضراب وعدم الانخراط في أي خطوات احتجاجية.
من جهته، أطلق “حراك المعلمين الموحّد”، أمس الثلاثاء، مناشدة عاجلة إلى الهيئات التعليمية وأولياء الأمور ووجهاء المجتمع ووسائل الإعلام، محذرًا من أن نظام التعليم يسير نحو “انهيار حقيقي”، في ظل ما وصفه بـ”تمادي الحكومة في سياسة القمع والعقوبات” بدلًا من معالجة المطالب العادلة.
وأكد الحراك أن الإجراءات الحكومية تحولت إلى أدوات لمعاقبة المعلمين، عبر خصم الرواتب وتهديد الأمن الوظيفي، ما ترك أثرًا بالغًا على سير العملية التعليمية واستقرار المدارس.
وأشار إلى أن العقوبات الإدارية والمالية طالت مئات المعلمين، بمن فيهم من لم يشاركوا في الإضراب، معتبرًا ذلك دليلًا على “نهج عقابي ممنهج” يهدف إلى ردع الجسم التعليمي وكسر الحركة النقابية.
وأعرب الحراك عن استغرابه من صمت اتحاد المعلمين، الذي قال إنه “تخلى عن دوره وانحاز لموقف الحكومة على حساب حقوق المعلمين ومستقبل الطلبة”، محذرًا من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى فقدان كامل للثقة في المنظومة التعليمية.
ودعا الحراك أولياء الأمور إلى الوقوف إلى جانب المعلمين، باعتبارهم شركاء في صون حق الطلاب في تعليم آمن وعادل، مشددًا على أن أي إصلاح حقيقي للمدارس لا يمكن أن يتم دون توفير حياة كريمة للمعلمين.
وطرح الحراك مجموعة مطالب اعتبرها الحد الأدنى لضمان استقرار التعليم، أبرزها: استثناء القطاع التعليمي من تبعات الأزمة المالية. وصرف الرواتب كاملة دون تأخير أو اقتطاعات. والالتزام بعدم المساس بدخل المعلم مستقبلًا. إضافة إلى تحديد جدول واضح لتسديد المستحقات المتراكمة. وأخيرا اعتماد علاوة بنسبة 10 بالمئة تصرف بدءًا من راتب شهر كانون الثاني/يناير المقبل.
كما شدد الحراك على ضرورة أن يكون وزير التربية والتعليم في السلطة الفلسطينية هو الجهة المخوّلة بنقل المطالب رسميًا إلى الحكومة والرد عليها، منعًا لتشتت المرجعيات أو التلاعب بالمخرجات.
وفي ختام بيانه، حمّل الحراك الحكومة المسؤولية الكاملة عن أي توتر أو اضطراب ينعكس على الطلبة والأهالي، داعيًا إلى التراجع عن سياسة العقوبات والانخراط في حوار جاد يحفظ كرامة المعلم ويصون مستقبل التعليم.
تجدر الإشارة إلى أن بعض مدارس الضفة الغربية تشهد منذ أسابيع إضرابًا جزئيًا، حيث يتلقى الطلبة حصتين فقط يوميًا، ويغادرون بعد الساعة التاسعة والنصف صباحًا، في حين حُددت أيام الدوام بثلاثة أيام أسبوعيًا، وسط صرف 50 بالمئة فقط من الرواتب.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY