مع بداية موسم الزيتون (من تشرين أول/أكتوبر – كانون أول/ديسمبر من كل عام)، يتجه متطوعون فلسطينيون ومتضامنون أجانب إلى كروم تقع بمحاذاة المستوطنات، لمساندة المزارعين في قطف المحصول ونقله قبل أن تتحول الطرق إلى نقاط مواجهة أو يُمنع أصحاب الأراضي من الوصول إليها. وتتحول “العونة” هنا من تقليد اجتماعي إلى جبهة إسناد شعبي تقلّص المخاطر التي تحاصر آلاف العائلات التي تعتمد على الزيتون كمصدر رزق أساسي.
وتكتسب هذه المبادرات أهميتها من اتساع مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون، التي تقدَّر بنحو 935 ألف دونم وفق وزارة الزراعة في السلطة الفلسطينية، ومن تصاعد الاعتداءات في المناطق القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية، حيث لم يعد الوصول إلى الأرض أمراً مضموناً، وقد يؤدي تأخر القطاف إلى خسارة المحصول كاملاً.
ويقول الناشط منصور صرصور إن “الفزعة” و”العونة” تقليدان متوارثان يقومان على تقديم المساعدة عند الحاجة، موضحاً أن تراجع هذه الممارسات في السنوات الماضية لم يمنع عودتها بقوة في موسم الزيتون، مع اتساع حاجة المزارعين إلى الإسناد الجماعي في مواجهة اعتداءات المستوطنين. ويشير إلى أن وجود المتطوعين لا يقتصر على تسريع القطاف، بل يشكل حماية معنوية ووسيلة لتوثيق الانتهاكات بالصوت والصورة، ما يحدّ من استفراد المستوطنين بأصحاب الأراضي.
وتبرز تجربة عائلة محمود عمران قرب مستوطنة “براخا” جنوب نابلس مثالاً على أثر هذه الجهود؛ إذ مكّنت مشاركة المتطوعين العائلة من إنجاز القطاف خلال خمسة أيام بدلاً من أسبوعين، وتقليص الوقت الذي تضطر لقضائه في منطقة معرضة للاعتداءات. ويؤكد عمران أن الموسم بات محملاً بالمنع والحصار والاعتداءات، وأن المشاركة المجتمعية تعكس وحدة الفلسطينيين في حماية مصدر رزقهم.
وفي القدس، أطلقت مؤسسات رسمية وشعبية حملة “عونة” لدعم المزارعين الفلسطينيين في مناطق التماس، بدءاً من “بيت عنان” وصولاً إلى “النبي صموئيل” و”بيت إكسا” و”مخماس” و”جبع”. وتقول منسقة الحملة تهاني اللوزي إن المبادرة تهدف إلى تعزيز صمود المزارعين الفلسطينيين في ظل الاعتداءات، مشيرة إلى أن حملة “فزعة” تعمل منذ أكثر من 15 عاماً على ترسيخ ثقافة التطوع والتكافل، والتنسيق مع منظمات دولية لتنظيم أنشطة مناهضة للاستيطان.
ويمثل المتضامنون الأجانب جزءاً أساسياً من هذه الجهود، سواء عبر المشاركة في القطاف أو مرافقة المزارعين. ويقول الناشط الأميركي جون، المقيم في الضفة الغربية منذ أربع سنوات، إن المخاطر التي يواجهها المتضامنون ازدادت، وإن وجودهم في الحقول يتجاوز المساعدة الزراعية إلى مشاركة الفلسطينيين في مواجهة الخطر اليومي. فيما تشير متضامنة إيطالية تُعرّف نفسها باسم سارة إلى أن القيود الإسرائيلية تشمل الملاحقة والاعتقال والإبعاد، إضافة إلى إجراءات الدخول ونظام تصريح السفر الإلكتروني “إي تي إيه”، ما يضع عقبات أمام المتطوعين الراغبين في الوصول إلى المناطق المهددة.
ويؤكد منسق فعاليات “العونة” في شمال الضفة، في حديث مع “قدس برس” أن المتضامنين يسجلون أسماءهم عبر منصات تطوع دولية رغم إبلاغهم بالمخاطر، لكن مشاركتهم تواجه تضييقاً متزايداً يشمل التوقيف والترحيل ومنع الدخول. وكانت صحيفة /هآرتس/ قد نقلت تحذيرات إسرائيلية للفلسطينيين من اصطحاب متطوعين أجانب خلال القطاف، مع التلويح بإلغاء التنسيقات الزراعية، رغم أن التعليمات العسكرية تسمح لأصحاب الأراضي بالوصول إليها برفقة من يقدم لهم الحماية.
ويقول محافظ نابلس غسان دغلس إن وجود المتضامنين يعزز قدرة الفلسطينيين على البقاء في أراضيهم، لكنه يواجه إجراءات تشمل الاعتقال وإعلان مناطق وجودهم مناطق عسكرية مغلقة والإبعاد لفترات قد تصل إلى عشر سنوات، ما يحدّ من وجود شهود دوليين قادرين على توثيق الانتهاكات.
وفي موازاة الجهود الشعبية، وضعت “هيئة مقاومة الجدار والاستيطان” التابعة للسلطة الفلسطينية خطة لمساندة المزارعين في المناطق الأكثر تعرضاً للاعتداءات، خصوصاً جنوب نابلس. ويقول مدير مكتب الهيئة في شمال الضفة مراد اشتيوي إن أكثر من 100 ألف دونم لم تُجنَ خلال الموسم السابق بسبب اعتداءات المستوطنين ومنع الوصول، وإن الجهود الحالية تستهدف تقليص المساحة المتضررة.
وهكذا، تستعيد “العونة” دورها بوصفها شبكة تضامن تجمع المزارعين والمتطوعين المحليين والمتضامنين الأجانب والمؤسسات الأهلية في مواجهة مخاطر تهدد الأرض ومصدر الرزق. وبينما تختصر مشاركة المتطوعين أياماً من العمل، يبقى نجاح العونة مرهوناً بقدرة أصحاب الأراضي على الوصول إلى حقولهم وحماية محاصيلهم في ظل القيود والملاحقات المتصاعدة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY