لم يعد صباح الفلسطينيين في الضفة الغربية يبدأ بمواعيد العمل أو خطط الإنتاج، بل بمتابعة حالة الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية التي تفرضها قوات الاحتلال الإسرائيلي على مداخل المدن والقرى. وبينما تتسع شبكة الإغلاقات يوماً بعد آخر، تتصاعد الخسائر التي تطاول مختلف القطاعات الاقتصادية، من المصانع وشركات النقل إلى التجار والمزارعين، في وقت يحذر فيه مختصون من أن هذه الإجراءات باتت تشكل أحد أخطر التحديات التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني.
ويؤكد أصحاب أعمال أن الحواجز لم تعد مجرد عائق أمام تنقل الفلسطينيين، بل تحولت إلى عامل رئيسي في تعطيل سلاسل التوريد ورفع تكاليف الإنتاج والنقل، وإضعاف القدرة التنافسية للمنتج الفلسطيني.
وقال محمود جاد الله، وهو صاحب مصنع للمواد الغذائية في مدينة نابلس لـ”قدس برس”، إن منشأته تكبدت خلال الأشهر الأخيرة خسائر كبيرة نتيجة تأخر وصول المواد الخام وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب المخاوف المستمرة من تلف البضائع، خاصة في ظل درجات الحرارة المرتفعة.
وأوضح أن كل إغلاق جديد أو إقامة حاجز عسكري ينعكس مباشرة على سير العمل داخل المصنع، مشيراً إلى أن إحدى شاحنات المصنع احتجزت لساعات طويلة على أحد الحواجز العسكرية، الأمر الذي أدى إلى تلف كمية كبيرة من المنتجات الغذائية المبردة، وتكبيد الشركة خسائر مالية كبيرة.
وأضاف أن عدم القدرة على الالتزام بمواعيد التوريد يهدد العلاقة مع الزبائن والأسواق، ويضع المصانع أمام تحديات تشغيلية متزايدة، في ظل ارتفاع أسعار الوقود وأجور النقل والصيانة.
وفي القطاع اللوجستي، قال عبدالرحيم جرّاد، وهو صاحب شركة نقل في مدينة نابلس إن العمل أصبح أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، موضحاً أن سائقي الشاحنات يضطرون يومياً إلى تغيير مساراتهم والبحث عن طرق بديلة هرباً من الحواجز والبوابات العسكرية، دون أي ضمان لوصولهم إلى وجهاتهم في الوقت المحدد.
وأضاف لـ”قدس برس” أن الرحلات التي كانت تستغرق أقل من ساعة باتت تحتاج إلى ثلاث أو أربع ساعات، ما أدى إلى زيادة استهلاك الوقود وارتفاع تكاليف التشغيل، فضلاً عن تعطل حركة نقل البضائع بين المحافظات.
وأشار جرّاد إلى أن شركات النقل تواجه ضغوطاً متزايدة للحفاظ على التزاماتها تجاه العملاء، في وقت أصبحت فيه حركة الشاحنات رهينة للإغلاقات العسكرية المفاجئة، الأمر الذي ينعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع التي يتحملها المستهلك الفلسطيني.
من جانبه، قال المحلل الاقتصادي سامح العطعوط إن الإجراءات الإسرائيلية تجاوزت مجرد فرض قيود على الحركة، لتصبح أداة تؤثر بصورة مباشرة في بنية الاقتصاد الفلسطيني وتعيد رسم خريطة النشاط التجاري بين المحافظات.
وأوضح لـ”قدس برس” أن استمرار إغلاق الطرق ونصب الحواجز يرفع تكاليف الإنتاج والنقل، ويؤدي إلى اضطراب سلاسل الإمداد، ويضعف قدرة الشركات الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها التجارية، ما ينعكس على الأسواق المحلية والاستثمار وفرص النمو.
وأضاف أن بعض التجار اضطروا إلى نقل أنشطتهم إلى مناطق أقل تأثراً بالإغلاقات، بينما شهدت مدن أخرى تراجعاً ملحوظاً في الحركة التجارية، نتيجة صعوبة الوصول إليها، الأمر الذي عمّق الفجوة الاقتصادية بين المحافظات الفلسطينية.
وأشار النادي إلى أن استمرار هذه القيود يهدد بمزيد من الانكماش الاقتصادي، ويضعف قدرة القطاع الخاص على الصمود، خاصة في ظل الأزمات المالية التي يواجهها الاقتصاد الفلسطيني.
وتؤكد أحدث بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن سلطات الاحتلال كثفت منظومة القيود على الحركة في الضفة الغربية، حيث بلغ عدد العوائق العسكرية حتى نهاية عام 2025 نحو 925 عائقاً، تشمل 232 بوابة حديدية، و89 حاجزاً دائماً، و218 حاجزاً جزئياً، وهو أعلى مستوى يُسجل منذ بدء عمليات الرصد قبل نحو عقدين.
كما وثقت الأمم المتحدة تركيب أكثر من 120 بوابة حديدية جديدة خلال عام 2025، وهو ما أدى إلى إطالة مسافات التنقل، وارتفاع تكاليف النقل، وإعاقة وصول الفلسطينيين إلى الأسواق وأماكن العمل والخدمات.
ويرى مراقبون أن حواجز الاحتلال وبوّابته لم تعد مجرد إجراءات أمنية، بل أصبحت وسيلة لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية الفلسطينية، من خلال تعطيل حركة التجارة بين المحافظات، وإضعاف النشاط الاقتصادي في مناطق، مقابل تنشيط أسواق أخرى يسهل الوصول إليها نسبياً.
ويحذر اقتصاديون من أن استمرار سياسة الإغلاقات التي تنتهجها سلطات الاحتلال يهدد بتوسيع دائرة الخسائر التي يتكبدها القطاع الخاص الفلسطيني، ويزيد من الضغوط على المصانع وشركات النقل والتجار، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الفلسطيني واحدة من أصعب مراحله، وسط مخاوف من استمرار تراجع الإنتاج والاستثمار واتساع حالة الركود في الأسواق.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY