Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

“الحنة” الفلسطينية في مخيمات سوريا.. طقوس فرح تحفظ الذاكرة من الاندثار

على وقع الأغاني الشعبية والزغاريد، تتوسط صينية الحناء مجلس المحتفلين، محاطة بالشموع والورود، بينما يلتف أقارب العريس وأصدقاؤه حوله، مرددين أهازيج حملها الفلسطينيون معهم من مدنهم وقراهم، وحافظوا عليها في مخيمات اللجوء السورية جيلا بعد جيل.

وفي مخيم “السبينة” للاجئين الفلسطينيين بريف دمشق، لا تبدو ليلة الحناء مجرد مناسبة تسبق الزفاف، بل تتحول إلى مشهد تراثي متكامل، يستعيد خلاله المشاركون تفاصيل العرس الفلسطيني القديم، من الأغاني والدبكة إلى الملابس الشعبية وتوزيع الحناء على الحاضرين.

“قدس برس” حضرت أحد الأعراس الفلسطينية في المخيم، ورصدت طقوس ليلة الحناء، واستمعت إلى ذوي العريس وعدد من المعازيم، الذين تحدثوا عن تاريخ هذه العادة ودورها في حفظ التراث والذاكرة الفلسطينية داخل مخيمات اللجوء.

فرحة تتقاسمها العائلة والمخيم

يقول والد العريس، أبو أمين مغربي، إن عائلته حرصت على إقامة الحناء وفق العادات الفلسطينية المتوارثة، انطلاقا من إيمانها بأن الفرح لا يكتمل من دون مشاركة الأقارب والجيران وأبناء المخيم.

ويضيف لـ”قدس برس”: “الحنة عادة عرفناها عن أهلنا منذ الصغر، وهي ليست خاصة بالعريس وعائلته فقط، بل يشارك فيها الأقارب والأصدقاء وأبناء المخيم. أردنا أن يعيش أبناؤنا هذه الأجواء، وأن يتعرفوا إلى العادات التي عاشها آباؤنا وأجدادنا”.

ويوضح أبو أمين أن الأعراس الفلسطينية كانت تمتد عدة أيام، ولكل يوم طقوسه الخاصة، بدءا من دعوة الأقارب والجيران، مرورا بليلة الحناء، وصولا إلى الزفة ويوم الزفاف.

ويشير إلى أن بعض التفاصيل تغيرت مع مرور الزمن، لكن العائلات ما تزال تحافظ على الملامح الأساسية للعرس الفلسطيني، مضيفا: “قد تتغير طريقة الاحتفال أو تصبح أيام العرس أقل، لكن الأغاني والحناء واجتماع الناس حول العريس بقيت حاضرة. استمرار هذه العادات في المخيمات يؤكد تمسك الفلسطينيين بتراثهم وهويتهم”.

من تجهيز الحناء إلى كف العريس

وسط تجمع أفراد العائلة والمعازيم، جلست الحاجة أم نزار أمام وعاء الحناء، بعد أن استدعتها عائلة العريس لتولي مهمة إعدادها ووضعها في كفه، وفق عادة كانت تتولاها في الماضي إحدى النساء الكبيرات في العائلة أو المعروفات بين الأهالي بالخبرة وحسن السيرة.

وتقول أم نزار لـ”قدس برس” إن وضع الحناء للعريس يحمل معاني الفرح والبركة والتفاؤل بحياة جديدة، ولا يقتصر على كونه شكلا من أشكال الزينة.

وتضيف: “تعلمنا هذه العادة من أمهاتنا وجداتنا، وكانت ليلة الحناء من أجمل ليالي العرس. نجتمع حول العريس ونغني ونطلق الزغاريد، ثم توضع الحناء في كفه، ويأتي الأقارب والمعازيم لمباركته”.

وتشير إلى أن إعداد الحناء ترافقه ترتيبات خاصة، تبدأ بتجهيزها وتزيين صينيتها بالشموع والورود، إلى جانب اختيار الأغاني والأهازيج التي تردد أثناء حملها ووضعها للعريس.

وترى الحاجة الفلسطينية أن كبار السن، ولا سيما النساء، أدوا دورا أساسيا في حماية هذه الطقوس من الاندثار، من خلال نقل الأغاني والعادات إلى الأبناء والأحفاد.

وتتابع: “نفرح عندما نرى الشباب يشاركون في هذه الطقوس ويحفظون أغانيها. نحن نعلمهم ما تعلمناه من أهلنا، وهم بدورهم سينقلونه إلى أبنائهم”.

العرس مناسبة للجميع

من جانبه، يقول أبو جابر، عم العريس، إن ليلة الحناء كانت من المناسبات التي ينتظرها أبناء القرية أو الحي، لأنها تجمع أفراد العائلة وتفتح أبواب البيت أمام الجيران والأصدقاء.

ويضيف لـ”قدس برس”: “في الماضي، لم يكن العرس شأنا عائليا ضيقا، بل كان مناسبة يشارك فيها الجميع. بعضهم يساعد في إعداد الطعام، وبعضهم يستقبل الضيوف، فيما يتولى الشبان الغناء والدبكة وتجهيز الزفة”.

ويرى أبو جابر أن المخيمات الفلسطينية أسهمت، رغم ظروف اللجوء الصعبة، في حفظ كثير من العادات الاجتماعية؛ إذ اجتمعت فيها عائلات تنحدر من قرى ومدن فلسطينية مختلفة، وتبادلت أغانيها وتقاليدها، ما أوجد تراثا مشتركا مع احتفاظ كل عائلة ببعض خصوصيتها.

ويتابع: عندما نقيم الحناء اليوم، فنحن لا نستعيد مناسبة قديمة فقط، بل نذكر أبناءنا بأن لهم جذورا وبلدات وقرى في فلسطين. التراث من الأمور التي حافظت على ارتباط اللاجئ بوطنه.

طقوس تتجاوز الزينة

عرفت الحناء منذ قرون في مجتمعات عربية وشرقية متعددة، واستخدمت للزينة في الأعراس والمناسبات الاجتماعية. غير أن الفلسطينيين أضفوا إلى ليلة الحناء تفاصيل مستمدة من بيئاتهم المحلية، فتباينت الأغاني والأزياء وطرق الاحتفال بين القرى والمدن والمناطق الفلسطينية.

وكانت الحناء تقام عادة قبل الزفاف، بمشاركة عائلتي العروس والعريس والأقارب والجيران. ولم تكن المناسبة تقتصر على وضع الحناء في الكف، بل ترافقها أغان شعبية ودبكة وزغاريد وولائم، في تعبير عن التكافل الاجتماعي ومشاركة العائلة فرحتها.

وفي عام 2024، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «يونسكو» الحناء وطقوسها وممارساتها الجمالية والاجتماعية على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، ضمن ملف عربي مشترك شاركت فيه فلسطين إلى جانب عدد من الدول العربية.

ذاكرة تقاوم اللجوء

بعد النكبة، حمل اللاجئون الفلسطينيون عاداتهم وأغانيهم إلى أماكن لجوئهم، وأصبحت الأعراس إحدى المساحات التي حافظوا من خلالها على لهجاتهم وملابسهم وذاكرة قراهم ومدنهم.

وفي المخيمات الفلسطينية بسوريا، تأثرت بعض تفاصيل الأعراس بالبيئة السورية المحيطة، لكنها احتفظت بملامح فلسطينية واضحة، ولا سيما في الأغاني والدبكة والثوب المطرز وطقوس الحناء.

ومع انتهاء السهرة، بقيت آثار الحناء على كف العريس، فيما حمل الأطفال والشبان صور ليلة شاركوا فيها آباءهم وأجدادهم طقسا قديما. وبين أغنية وأخرى، تحولت المناسبة العائلية إلى مساحة لحفظ التراث وتجديد الصلة بفلسطين، والتأكيد أن سنوات اللجوء الطويلة لم تقطع الفلسطينيين عن ذاكرتهم.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY