Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

الاحتلال يستثمر في “السياحة التوراتية” بالضفة الغربية.. ترسيخ للاستيطان وطمس للرواية الفلسطينية

لم يعد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة يقتصر على بناء الوحدات السكنية وشق الطرق وإقامة البؤر الاستيطانية؛ فالمشهد يتجه إلى مسار أكثر تعقيداً، تدخل فيه السياحة والآثار والطبيعة في صلب مشروع إعادة تشكيل المكان، وتحويله تدريجياً إلى فضاء يخدم الرواية الإسرائيلية ويعزز الوجود الاستيطاني.

وفي أحدث هذه الخطوات، بدأت وزارة السياحة الإسرائيلية تنفيذ مشروع تبلغ كلفته نحو 3.2 ملايين شيكل، أي ما يقارب مليون دولار، لإقامة ما تسميه “درب يشوع” قرب مستوطنة “إيلون موريه” شرقي نابلس، يتضمن ممشى مهيأ للوصول وجسراً معلقاً، ويربط مركز التراث في المستوطنة بقمة محمية جبل الكبير الطبيعية.

ويأتي المشروع باعتباره المرحلة الأولى من مبادرة أوسع تحت اسم “الدروب التوراتية في يهودا والسامرة”، في إشارة إلى التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية. وتشارك في تنفيذه وزارة السياحة ووزارة التراث وسلطة الطبيعة والمتنزهات الإسرائيلية ومجلس “السامرة” الاستيطاني، إلى جانب مركز التراث في “إيلون موريه”.

ولا يخفي المسؤولون الإسرائيليون الهدف السياسي للمشروع؛ إذ قال وزير السياحة حاييم كاتس، خلال وضع حجر الأساس، إن تطوير السياحة جزء من جهود تعزيز المستوطنات، وإن إتاحة المزيد من المواقع والمسارات أمام اليهود يعزز ارتباطهم بالمنطقة والاستيطان فيها.

السياحة كأداة للسيطرة على المكان

ويقول الخبير في الآثار منتصر سعدي لـ”قدس برس” إن خطورة هذه المشاريع لا تكمن في إنشاء ممشى أو جسر بحد ذاتهما، وإنما في الوظيفة التي يراد للموقع السياحي أن يؤديها داخل منظومة الاستيطان.

فحين تُربط المواقع الأثرية والطبيعية بمسارات سياحية، وتُقدم للزائر باعتبارها أجزاء من سردية تاريخية واحدة، فإن الأمر يتحول من نشاط سياحي إلى إعادة تعريف للمكان، بحسب سعدي، خصوصاً عندما تكون البنية التحتية ممولة ومحمية من مؤسسات حكومية إسرائيلية وتنفذ داخل أراض محتلة.

ويشير إلى أن استهداف المواقع الأثرية والطبيعية بالضفة ليس جديداً، لكن الجديد هو اتساع استخدام السياحة كوسيلة لإعادة إنتاج الرواية الإسرائيلية في الميدان، بحيث لا يكتفي الاحتلال بالسيطرة على الأرض، بل يعمل على تحديد من يستطيع الوصول إليها، وما الذي يراه فيها، والقصة التي يسمعها عنها.

وتوجد سوابق إسرائيلية في توظيف السياحة والبنية التحتية لخدمة المستوطنات. فقد وثقت منظمة العفو الدولية سابقاً دعماً حكومياً إسرائيلياً لصناعة السياحة المرتبطة بالمستوطنات، بما في ذلك تمويل بنى سياحية في مواقع تاريخية بالضفة الغربية.

الفلسطيني ممنوع من “المسار”

وللمفارقة فإن المسار الذي يُشق ليكون مفتوحاً وسهل الوصول أمام المستوطنين والزوار الإسرائيليين، يأتي في وقت بات فيه تنظيم الفلسطينيين لمسارات سياحية في أجزاء واسعة من الضفة الغربية محفوفاً بالمخاطر.

ويقول منظم المسارات السياحية أنور عقرباوي لـ”قدس برس” إن تنظيم أي رحلة في مناطق الأغوار أو أريحا أو المناطق القريبة من المستوطنات أصبح يحتاج إلى دراسة دقيقة للموقع والطريق ونقاط الحواجز والوجود العسكري والاستيطاني، بعدما تحولت مناطق كانت مقصداً للعائلات والمتنزهين إلى مناطق يصعب الوصول إليها.

ويضيف أن المشكلة لا تتعلق فقط بإغلاق موقع بعينه، وإنما بتقطيع المسارات الفلسطينية نفسها؛ فقد يستطيع منظمو الرحلات الوصول إلى منطقة، لكنهم يجدون أن الطريق إليها مغلق أو أن جزءاً من المسار يقع قرب مستوطنة أو بؤرة استيطانية أو ضمن منطقة أعلنها الاحتلال عسكرية مغلقة.

وتؤكد بيانات الأمم المتحدة حجم القيود المفروضة على الحركة في الضفة؛ فقد وثقت الأمم المتحدة 925 عائقاً للحركة حتى نهاية عام 2025، تشمل حواجز وبوابات وإغلاقات وحواجز ترابية وغيرها، ما يقيّد حركة نحو 3.4 ملايين فلسطيني.

الأغوار.. امتياز للمستوطنين

وتظهر المفارقة بصورة أكثر وضوحاً في الأغوار، حيث تتداخل السيطرة على الأرض والمياه والطبيعة مع النشاط السياحي.

ويقول الناشط في مناهضة الاستيطان فارس فقها إن السيطرة الإسرائيلية على المواقع الطبيعية لا تنفصل عن محاولة دفع الفلسطينيين بعيداً عنها، مشيراً إلى أن مصادر المياه والمناطق الطبيعية أصبحت هدفاً متزايداً للمستوطنين.

وكان فقها قد قدر، في حديث سابق، أن المستوطنين يسيطرون على نحو 95% من الينابيع في شمال الأغوار، وربط ذلك بتراجع قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى أراضيهم ومصادر المياه.

وفي حالات أخرى، تتحول الينابيع إلى مواقع ترفيهية للمستوطنين، فيما يفقد الفلسطينيون إمكانية استخدامها للزراعة أو التنزه. وقد وثقت تقارير حديثة تحويل مستوطنين عيناً طبيعية في منطقة “فصايل” بالأغوار، إلى موقع سياحي مرتبط بالرواية اليهودية، بالتزامن مع تأثير ذلك في استخدام الفلسطينيين للمياه.

المعركة على الرواية

ويرى سعدي أن خطورة “الدروب التوراتية” تكمن في أنها تجمع ثلاثة عناصر في مشروع واحد: السيطرة على الأرض، وإعادة تقديم التاريخ، وتغيير طبيعة استخدام الموقع.

فالموقع الذي كان جزءاً من الجغرافيا الفلسطينية، بما يحمله من آثار وذاكرة وروايات محلية، يصبح في المشروع الإسرائيلي محطة ضمن مسار سياحي يربطه حصراً تقريباً بالسردية التوراتية والاستيطانية.

أما عقرباوي فيحذر من أن استمرار هذا النهج سيجعل السياحة الفلسطينية نفسها أكثر انكماشاً، لأن المسارات التي يمكن للفلسطينيين تنظيمها تتراجع بالتوازي مع اتساع المناطق التي يصعب الوصول إليها.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن القيود الإسرائيلية على الحركة، إلى جانب إعلان مناطق مغلقة عسكرياً ومناطق مقيدة الوصول، تؤدي إلى تجزئة الضفة وإعاقة الوصول إلى الخدمات وسبل العيش والموارد.

وبذلك، لا تبدو المعركة حول “درب يشوع” مجرد خلاف على مشروع سياحي جديد؛ فالمسألة الأعمق تتعلق بمن يملك حق الحركة في المكان، ومن يحدد وظيفته، ومن يروي تاريخه.

فبينما تنفق إسرائيل ملايين الشواكل لشق مسار وجسر وتعزيز الوصول إلى موقع في قلب الضفة، يجد الفلسطيني الذي يريد تنظيم رحلة إلى الأغوار أو زيارة موقع أثري أو اصطحاب مجموعة شبابية في مسار طبيعي نفسه أمام الحواجز والإغلاقات والجيش والمستوطنين.

وهنا يصبح المسار السياحي أكثر من طريق للمشي؛ فهو طريق لتثبيت واقع جديد على الأرض، وربط المستوطن بالمكان، وفي المقابل دفع الفلسطيني تدريجياً إلى خارج المشهد.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY