لا تبدو العقبة الأساسية أمام التوصل إلى اتفاقات بشأن قطاع غزة مرتبطة بصياغة تفاهمات جديدة، بقدر ما تتمثل في ضمان تنفيذها على أرض الواقع.
فالتجارب السابقة أظهرت أن الإعلان عن أي اتفاق لا يعني بالضرورة دخوله حيز التنفيذ، إذ غالبًا ما اصطدمت مراحل التطبيق باعتبارات سياسية وأمنية إسرائيلية، ما أعاد طرح السؤال المتكرر مع كل جولة تفاوض: مَن يملك القدرة الفعلية على إلزام إسرائيل بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه؟
ويرى مراقبون أن “إسرائيل”، باعتبارها الطرف الأقوى في المعادلة، لا تستجيب عادةً للضغوط الدبلوماسية وحدها، وإنما تتأثر بمواقف الدول التي تمتلك أدوات تأثير حقيقية، سواء عبر الدعم السياسي أو العسكري أو الاقتصادي. وفي هذا السياق، يبرز الدور الأمريكي باعتباره العامل الأكثر حسماً، نظرًا للعلاقة الاستراتيجية التي تربط واشنطن بتل أبيب، وما توفره من غطاء سياسي ودعم عسكري يجعلها الطرف الأكثر قدرة على ممارسة الضغط إذا ما قررت استخدام نفوذها.
ويرى محللون أن نجاح أي اتفاق لن يتوقف على صياغة بنوده فقط، بل يعتمد بدرجة أساسية على وجود آليات رقابة وضمانات واضحة تمنع أي طرف من التنصل من التزاماته. فالاتفاقات التي تفتقر إلى أدوات إلزام ومتابعة تبقى غالبًا رهينة للتطورات الميدانية والخلافات السياسية، وهو ما أظهرته محطات سابقة في ملف غزة.
وقال الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر إن حركة حماس والفصائل الفلسطينية قدمت هذه المرة ما كان الاحتلال يتهمها سابقًا بعدم تقديمه، موضحًا أنها، بحسب رؤيته، أزالت الذرائع التي كان يستخدمها الاحتلال للتنصل من تبعات الاتفاق منذ توقيعه في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
وأضاف أبو قمر، في تصريحات لـ”قدس برس”، أنه حتى إعلان الرئيس الأمريكي التوصل إلى اتفاق، كانت قوات الاحتلال تتقدم في مناطق عدة من قطاع غزة، بما في ذلك منطقة الخط الأصفر ومناطق شمال القطاع، الأمر الذي أبقى المخاوف قائمة بشأن احتمال التنصل من الالتزامات.
وأشار إلى أن الضغط الذي مارسه الوسطاء على الفصائل الفلسطينية، وحركة حماس تحديدًا، للوصول إلى صيغ توافقية شمل قضايا كانت محل خلاف، لا سيما ما يتعلق بملفات السلاح والموظفين، مؤكدًا أن هذا الضغط يجب أن يقابله ضغط أمريكي على إسرائيل لدفعها نحو الالتزام بالاتفاق.
وأوضح أبو قمر أن الوضع في قطاع غزة لا يحتمل المزيد من التأخير، وأن الفصائل أبدت استجابة أكبر لمطالب الوسطاء في هذا السياق، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على الطرف القادر على ضمان التنفيذ الإسرائيلي. وأضاف أن تقارير إعلامية أمريكية أشارت، عقب إعلان الرئيس الأمريكي التوصل إلى الاتفاق، إلى تفاؤله باستجابة “إسرائيل”، لكنها حذرت في الوقت ذاته من احتمال تعرضه لخيبة أمل في حال عدم التزامها، ما يجعل مسار التنفيذ غير واضح حتى الآن.
وأكد أن التطبيق العملي للاتفاق بعد توقيعه سيكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت إسرائيل جادة في الالتزام به، أم أن الأمور ستعود إلى المسار ذاته الذي شهدته الأشهر الماضية من المماطلة والتنصل.
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي فايز أبو شمالة إن المتغيرات الدولية، لا سيما داخل الولايات المتحدة، وما رافقها من تطورات خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، قد تدفعه إلى الالتزام بما ورد في مسودة اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.
وأضاف أبو شمالة، في تصريحات لـ”قدس برس”، أن نتنياهو لا يملك خيارًا واسعًا سوى القبول بالاتفاق، خشية تعرضه لعزلة دولية قد تنعكس على مستقبله السياسي والانتخابي.
وأشار إلى أن المرونة التي أبدتها الفصائل الفلسطينية، وموافقتها على قضايا كانت عالقة سابقًا، ستضع نتنياهو أمام ضغوط أكبر للموافقة على الاتفاق، معتبرًا أن ما تنشره وسائل إعلام عبرية حول احتمال تنصل حركة حماس من الاتفاق يهدف، برأيه، إلى تعزيز صورة “النصر الكامل” التي وعد بها نتنياهو جمهوره.
وكان “مجلس السلام” ورئيسه دونالد ترامب قد أعلنا، الجمعة، موافقة حركة “حماس” على خريطة طريق لتنفيذ المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار، تتضمن انسحابًا إسرائيليًا من قطاع غزة وتسليم الحركة سلاحها.
ورغم ذلك، لم تعلن الحكومة الإسرائيلية موافقتها على الخطة حتى الإثنين. وقال مصدر سياسي إسرائيلي، في تعميم على وسائل الإعلام: “لن تنسحب إسرائيل من الخط الحالي في قطاع غزة، وستواصل إحباط أي تهديد لمواطنينا وجنودنا”.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY