لا يحتاج زياد هيلان إلى أكثر من بضع خطوات من باب منزله حتى يرى مستوطنة “براخا” المقامة على أراضي بلدة بورين جنوب نابلس؛ شمالي الضفة الغربية.
نحو أربعين مترًا فقط تفصل البيت الذي يعيش فيه هيلان مع زوجته وبناته الخمس عن المستوطنة، لكنها بالنسبة للعائلة مسافة تختصر سنوات من الخوف والاعتداءات ومحاولات دفعهم إلى الرحيل.
يعمل هيلان سائق سيارة أجرة في مدينة نابلس، إلا أن قرب منزله من المستوطنة جعله يعيد ترتيب تفاصيل حياته اليومية.
يقول لـ”قدس برس” إن عودته إلى المنزل أصبحت تتم في ساعات مبكرة قدر الإمكان، خشية أن تتعرض أسرته لأي اعتداء في أثناء غيابه، فيما تحولت المساحة المحيطة بالمنزل إلى مصدر دائم للقلق.
في آذار/مارس الماضي، يقول هيلان، وصل عشرات المستوطنين إلى محيط منزله، بالتزامن مع وجود قوات الاحتلال وحراس المستوطنة.
ويضيف أن هؤلاء منعوه من الوصول إلى منزله، قبل أن تتعرض ابنته الصغيرة، التي لم تكن تتجاوز عامين، للإصابة في رأسها إثر إلقاء حجر عليها.
ويقول هيلان إن كاميرات المراقبة المثبتة في منزله وثقت ما جرى، وإنه اضطر إلى سلوك طريق آخر للوصول إلى عائلته، قبل نقل طفلته إلى أحد مستشفيات نابلس لتلقي العلاج.
لكن تلك الحادثة، وفق روايته، لم تكن سوى بداية لمرحلة أكثر قسوة.
ثلاثة أضلاع مكسورة
في التاسع من نيسان/ أبريل، تعرض هيلان، بحسب شهادته، لاعتداء أمام منزله من مجموعة من المستوطنين، قبل أن يتم احتجازه واقتياده إلى مستوطنة “براخا”.
هناك، يقول، تعرض للضرب وأصيب بكسور في ثلاثة من أضلاعه، إضافة إلى إصابة في فخذه.
لم تنتهِ آثار الاعتداء بانتهاء الحادثة؛ فالرجل الذي اعتاد العمل والتنقل والعودة إلى منزله، وجد نفسه أمام عائلة باتت تتعامل مع محيط البيت بحذر شديد، فيما تقول إن رشق الحجارة والاعتداءات على المنزل تكررت خلال الفترة اللاحقة.
وتحول المنزل، الذي يفترض أن يكون أكثر الأماكن أمانًا للعائلة، إلى مكان تحاول فيه الأم والبنات الخمس مراقبة ما يجري في الخارج، بينما يبقى الأب منشغلًا بسؤال بسيط وثقيل في الوقت نفسه: كيف يمكن حماية أسرته من اعتداء جديد؟
ومع تصاعد التوتر، يقول هيلان إن العائلة اضطرت في إحدى المرات إلى مغادرة المنزل والتوجه إلى مدينة نابلس، بعدما شعرت بأن البقاء أصبح خطرًا عليها.
لم تكن مغادرة المنزل قرارًا سهلًا، ولا كانت تعني التخلي عنه؛ وبعد نحو أسبوع إلى عشرة أيام، عادت الأسرة إلى منزلها بمساعدة الارتباط العسكري، وفق روايته.
لكن العودة لم تكن نهاية القصة.
“بكم تبيع بيتك؟”
بعد فترة قصيرة من عودة العائلة، فوجئ هيلان، بحسب شهادته، بمستوطنين يعرضون عليه شراء منزله.
السؤال الذي تلقاه لم يكن عن سلامته أو عن سبب بقائه قرب المستوطنة، بل عن السعر الذي يطلبه مقابل التخلي عن المنزل.
يقول هيلان إن العرض جاء بعد سلسلة من الاعتداءات والضغوط التي تعرضت لها عائلته، الأمر الذي دفعه إلى إبلاغ محافظة نابلس ومجلس بلدية بورين والجهات ذات العلاقة بما يجري.
بالنسبة إليه، لم يكن عرض شراء المنزل منفصلًا عن سلسلة الأحداث التي سبقته؛ فالعائلة، كما يقول، واجهت اعتداءات، واضطرت إلى مغادرة منزلها مؤقتًا، ثم عادت إليه، قبل أن تجد نفسها أمام عرض للتخلي عنه.
وفي مواجهة ذلك كله، اختار هيلان البقاء. يقولها بوضوح: “إحنا ثابتين صامدين”.
منزل محاصر بالخوف
اليوم، تحاول العائلة توفير أكبر قدر ممكن من الحماية للمنزل.
ويقول هيلان إن المكان محاط بإجراءات حماية وحواجز وشبك، في محاولة لتقليل المخاطر التي قد تتعرض لها الأسرة. لكن هذه الإجراءات لا تلغي الخوف.
فالمسافة القصيرة بين المنزل والمستوطنة تجعل العائلة تعيش على وقع احتمال تكرار الاعتداء، فيما أصبح خروج الأطفال أو اقترابهم من محيط المنزل مسألة تحتاج إلى حسابات أكثر من المعتاد.
هيلان، الذي أصيب بنفسه خلال أحد الاعتداءات، يعرف جيدًا معنى أن تكون عائلته قريبة إلى هذا الحد من مستوطنة.
ويعرف أيضًا أن مغادرة المنزل قد تبدو في لحظة ما الخيار الأسهل، خصوصًا عندما تكون سلامة أطفاله على المحك. لكنه، رغم ذلك، لا يرى في الرحيل حلًا.
فالمنزل الذي عاشت فيه عائلته لم يعد بالنسبة إليه مجرد جدران وسقف، بل أصبح عنوانًا لبقائه في أرضه، ولذلك يرفض التعامل مع عرض شرائه باعتباره صفقة عقارية عادية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY