لم يترك القصف الإسرائيلي في قطاع غزة للمدنيين مساحة آمنة للنجاة، ولم تكن الهوية الدينية استثناءً من دائرة الخطر. فمنذ بداية الحرب، وجد المسيحيون الفلسطينيون، الذين يشكلون جزءًا أصيلًا من نسيج المجتمع الغزي، أنفسهم أمام واقع من الخوف والنزوح وفقدان الأحبة، فيما تحولت أماكن العبادة التي احتمى بها كثيرون إلى مواقع طالها القصف.
وفي أحدث فصول هذه المأساة، استشهدت الفلسطينية المسيحية ميساء خضر أبو داود وابنتها ماري حافظ أبو داود، فجر السبت 3 تشرين الأول/أكتوبر، إثر غارة إسرائيلية استهدفت شقة سكنية غربي مدينة غزة، وأسفرت كذلك عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين آخرين وإصابة آخرين.
ولم تكن ميساء وماري بعيدتين عن حياة المجتمع المسيحي في القطاع، إذ كرّستا وقتهما لخدمة أبناء الرعية والنازحين في الملجأ التابع لكنيسة العائلة المقدسة في غزة، في ظل الظروف الإنسانية القاسية التي عاشها سكان القطاع على مدى سنوات الحرب.
وفي مشهد حمل كثيرًا من الألم، شُيّعت جثمانا الأم وابنتها في كنيسة القديس بورفيريوس للروم الأرثوذكس بمدينة غزة، وسط صلوات وتراتيل ومشاركة من أبناء المجتمع المسيحي، في جنازة أعادت إلى الواجهة مأساة مسيحيي القطاع، الذين وجدوا أنفسهم، مثل سائر الغزيين، في مواجهة القصف والنزوح والفقد.
ولا تأتي حادثة ميساء وماري بمعزل عن سلسلة من الهجمات التي طالت المسيحيين ومواقعهم الدينية في غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ففي 19 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أصاب قصف إسرائيلي مجمع كنيسة القديس بورفيريوس للروم الأرثوذكس، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 18 شخصًا. وفي كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، قُتلت ناهيدة خليل أنطون وابنتها سمر داخل مجمع رعية العائلة المقدسة، في حادثة قالت بطريركية القدس للاتين إن قناصًا إسرائيليًا نفذها.
وفي تموز/يوليو 2025، تعرض مجمع كنيسة العائلة المقدسة الكاثوليكية في مدينة غزة لقصف أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة آخرين، بينهم كاهن الرعية الأب غابرييل رومانيلي.
وتكشف هذه الوقائع أن المسيحيين في غزة لم يعيشوا الحرب على هامش المأساة الفلسطينية، بل كانوا جزءًا من المشهد ذاته؛ نزوح ودمار وفقدان للأقارب، وتضرر للكنائس وأماكن اللجوء، وصولًا إلى سقوط أفراد من عائلاتهم تحت القصف.
ويختصر هذا المشهد جانبًا أساسيًا من مأساة غزة؛ فالهوية الدينية لم تمنح أصحابها حصانة من الحرب، كما أن الكنائس لم تتحول إلى ملاذ دائم للأمان.
وقال منسق عام تحالف منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، تيسير محسن، إن الاحتلال الإسرائيلي، ومنذ بداية الحرب، لم يفرق في استهدافاته بين المسيحيين والمسلمين في قطاع غزة.
وأضاف محسن لـ”قدس برس” أن ما يجري على أرض الواقع من استهداف للأماكن المقدسة المسيحية واستشهاد أفراد من الطائفة المسيحية، “ما هو إلا ترجمة للعقيدة التي يتبناها الاحتلال الإسرائيلي بأن الفلسطينيين كلهم تحت الاستهداف، مسيحييهم ومسلميهم”.
وأشار إلى أن استهداف الطائفة المسيحية في غزة قوبل، على حد وصفه، “ببجاحة وصلافة” من جانب الاحتلال الإسرائيلي، موضحًا أن تبريراته تراوحت بين القول إن الاستهداف وقع عن طريق الخطأ، أو التزام الصمت وعدم التعليق عليه، إلى جانب محاولته، وفق قوله، تجميل صورة جيشه والترويج لكونه “نزيهًا” ويحيّد المدنيين، بينما “تكذب الوقائع على أرض الواقع هذه الادعاءات”.
ولفت محسن إلى أن استهداف الطائفة المسيحية في غزة لم يلقَ رد فعل دوليًا جديًا، معتبرًا أن الموقف الدولي كان “باهتًا ولا يرقى إلى حجم الجريمة”، واقتصر على تصريحات عابرة لم تحول دون تكرار هذه الاعتداءات، بحسب تقديره.
من جهته، قال الأب مانويل مسلم، عضو الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات وراعي كنيسة اللاتين في غزة سابقًا، إن استهداف الاحتلال الإسرائيلي للوجود المسيحي الفلسطيني لم يكن يومًا حدثًا عابرًا في تاريخ الصراع، وإنما يمثل، بحسب قوله، امتدادًا لمشروع بدأ منذ تأسيس “إسرائيل”، يقوم على اقتلاع الفلسطيني من أرضه ومحو هويته الوطنية والتاريخية، بصرف النظر عن انتمائه الديني، مسلمًا كان أم مسيحيًا.
وأضاف مسلم لـ”قدس برس” أن المسيحي الفلسطيني ظل حاضرًا في دائرة الاستهداف الإسرائيلي، ليس بسبب عقيدته الدينية وحدها، بل لأنه جزء أصيل من الشعب الفلسطيني، وضارب بجذوره في الأرض التي شهدت ولادة السيد المسيح عليه السلام، واحتضنت رسالته، واحتفظت بمعالم التاريخ المسيحي الأولى.
وتابع أن الفلسطيني المسيحي، مثل المسلم، لم يكن يومًا غريبًا عن معركة شعبه الوطنية، بل كان حاضرًا في مختلف ميادين النضال والدفاع عن الأرض والهوية، وأسهم في حماية الوجود الفلسطيني، وتمسك بحقه في البقاء رغم الاحتلال والتهجير والاعتداءات المتواصلة.
وأشار إلى أن الاحتلال، وفق تقديره، فشل في نزع المسيحيين الفلسطينيين من جذورهم الوطنية، أو تحويلهم إلى جماعة دينية منفصلة عن محيطها الفلسطيني والعربي، معتبرًا أن تمسكهم بأرضهم وهويتهم يمثل تحديًا للمشروع الإسرائيلي الساعي إلى تغيير الهوية التاريخية والديمغرافية لفلسطين.
وأردف الأب مانويل أن المسيحيين الفلسطينيين ليسوا أقلية طارئة على الأرض، ولا جماعة وافدة تحتاج إلى اعتراف من الاحتلال بشرعية وجودها، بل هم أبناء الأرض الأصليون، وأحفاد الحضارة التي نشأت في بيت لحم والقدس والناصرة وسائر المدن والبلدات الفلسطينية.
وشدد على أن الاحتلال لا يستهدف الوجود الفلسطيني بالسلاح وحده، وإنما أيضًا عبر سياسات التهجير ومصادرة الأراضي والتضييق الاقتصادي وتقييد حرية العبادة والحركة، بما يدفع الفلسطينيين، خصوصًا الأجيال الشابة، إلى البحث عن الحياة خارج وطنهم.
ودعا مسلم الكنائس الغربية ورجال الدين والمؤسسات المسيحية في أوروبا والولايات المتحدة والعالم إلى تجاوز بيانات القلق والتضامن اللفظي، واتخاذ مواقف أكثر فاعلية لحماية الوجود المسيحي الفلسطيني والمقدسات الدينية في غزة والقدس وبيت لحم وسائر الأراضي الفلسطينية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY