منذ بداية عدوان الاحتلال الإسرائيلي على غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تصدرت دول أمريكا اللاتينية مواقفها السياسية والإنسانية، حيث سحبت السفراء من “تل أبيب” وقدمت احتجاجات رسمية على الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى المظاهرات الشعبية الحاشدة التي لم تتوقف حتى يومنا هذا، والتي طالبت بوقف العدوان فورًا. ما عكس تصاعد وتيرة التنديد بالاحتلال الإسرائيلي ورفضه في دول أمريكا اللاتينية.
وكان جليًا دعم دول أمريكا اللاتينية عندما انضمت إلى محكمة العدل الدولية لملاحقة مسؤولين في حكومة الاحتلال وجيشه عن الجرائم ضد الإنسانية في غزة.
على رأس هذه الدول، أعلنت البرازيل انضمامها مؤخرًا إلى المحكمة، لتصبح بذلك واحدة من ست دول في المنطقة تؤكد دعمها لمحاسبة مرتكبي الإبادة الجماعية عبر المسارات القانونية الدولية.
اليوم، جاء خطاب رؤساء دول أمريكا اللاتينية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليُكمل هذا الموقف الثابت، حيث عبروا عن دعمهم القوي لنضال الفلسطينيين وحقهم في إقامة دولتهم المستقلة، مؤكدين أن “فلسطين لن تجد السلام والحرية إلا بإنهاء الاحتلال”.
الرئيس البرازيلي: لا شيء يبرر الإبادة
افتتح الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا أعمال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ جرت العادة منذ عام 1947 أن تكون البرازيل صاحبة الكلمة الافتتاحية في هذه الجلسة.
وأكّد دا سيلفا أن الوضع في فلسطين يُعتبر “أكثر حالة رمزية للاستخدام المفرط وغير القانوني للقوة”، مشدداً على أنه لا شيء يمكن أن يبرر “الإبادة الجماعية المستمرة” التي تشهدها غزة.
وأضاف “في غزة، تحت الأنقاض، يتم دفن عشرات الآلاف من النساء والأطفال الأبرياء، القانون الدولي الإنساني والقيمة الأخلاقية التي طالما ادّعاها الغرب أيضًا مدفونة هناك.”
وأشار إلى أن “هذه المجزرة لم تكن لتحدث بدون تواطؤ من أولئك الذين كان بإمكانهم منعها، وأن المجتمع الدولي يجب أن يتحمل مسؤولية ما يحدث في غزة”.
كما أوضح أن في غزة “يتم استخدام الجوع كأداة حرب”، بينما “يستمر التهجير القسري للسكان دون محاسبة”.
وقال الرئيس البرازيلي: “الشعب الفلسطيني في خطر الانقراض، ولن ينجو إلا مع دولة مستقلة، مدمجة في المجتمع الدولي”.
وشدد على أن الحل الذي يدافع عنه أكثر من 150 عضوًا في الأمم المتحدة هو إنشاء دولة فلسطينية مستقلة. قائلا: “هذا هو الحل الذي يدافع عنه أكثر من 150 عضوًا في الأمم المتحدة، والذي تم التأكيد عليه أمس، هنا في نفس الجلسة، ولكن منعته الفيتو (حق النقض)”.
وأعرب دا سيلفا عن أسفه تجاه منع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس من شغل مقعد فلسطين في الأمم المتحدة في هذه اللحظة التاريخية. وقال: “من المؤسف أن عباس تم منعه من شغل مقعد فلسطين في هذه اللحظة التاريخية”.
وفيما يتعلق بتداعيات الصراع في فلسطين، حذر الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، من أن “انتشار هذا الصراع إلى لبنان، وسوريا، وإيران، وقطر يؤدي إلى تصعيد غير مسبوق في سباق التسلح”، مؤكدًا أن ذلك قد يزيد من تعقيد الوضع الإقليمي ويهدد الاستقرار في المنطقة.
الرئيس التشيلي: غزة هي أزمة إنسانية عالمية
من جانبه، أكّد الرئيس التشيلي، غابرييل بوريك، أن الأزمة في غزة ليست مجرد قضية إقليمية أو سياسية، بل هي “أزمة إنسانية عالمية”.
وأوضح أن “الأنظار يجب أن تركز على الإنسانية في هذه الأزمة، حيث يواصل الآلاف من الفلسطينيين فقد حياتهم لمجرد كونهم فلسطينيين”، قائلاً: “اليوم، في عام 2025، يموت الآلاف من البشر الأبرياء لمجرد أنهم فلسطينيون، كما مات ملايين منذ 80 عامًا فقط لأنهم كانوا يهودًا”.
وأضاف أن الكلمات قد تُقال حول غزة من هذا المنبر وغيره، ولكن “أنظار الموت” لأولئك الأبرياء الذين فقدوا حياتهم هي الحقيقة الأبرز.
وقال: “لذلك، بدلاً من التحدث عن الأرقام، والإدانات أو المطالب التي تتردد بين هذه الجدران، أرغب اليوم في التحدث عن الإنسانية”.
وشدّد على أن غزة تمثل “أزمة إنسانية” تهم كل إنسان في العالم، وأن الألم الذي يشعر به الشعب الفلسطيني بسبب القصف والمجازر هو ألم مشترك مع غالبية شعوب العالم.
وأوضح: “عندما يكمن الأطفال تحت الأنقاض، هناك ألم حقيقي في وطننا، في تشيلي؛ وأعلم أن هذا الألم مشترك في أغلب دول العالم.”
كما تطرق الرئيس التشيلي إلى الكراهية التي قد تنشأ نتيجة للألم، مشيرًا إلى أنه “يجب مواجهة هذا الألم بالتحول نحو العدالة، وليس العنف”.
وقال: “يجب أن نتحول من رغبات الكراهية إلى رغبة في العدالة، ألا نساوم على العنف”، موضحاَ “أنا لا أريد رؤية قصف نتنياهو بصاروخ مع عائلته، أريد أن أرى نتنياهو والمسؤولين عن الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في محكمة العدالة الدولية”.
كما أكد أن السبب الرئيسي الذي يدفعهم للعمل هو إيمانهم بالإنسانية، وأشار إلى ضرورة احترام القواعد التي وضعتها الإنسانية بعد مآسي التاريخ، قائلاً: “هذه القواعد يجب أن تحترم، لأنه إذا لم نلتزم بتلك القواعد، فما من فائدة من وجودنا هنا”.
الرئيس الكولومبي: تواطؤ عالمي في الإبادة
أما الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، فقد أكّد في خطابه، أن “الوحشية” التي تشهدها العديد من مناطق العالم، بما في ذلك الكاريبي وفلسطين، أصبحت أزمة عالمية تتطلب تدخلًا عاجلًا.
وأشار بيترو إلى أن الوضع في غزة يشكل “إبادة جماعية”، داعيًا المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى التحرك بشكل فعال لوقف الهجمات “الإسرائيلية” على المدنيين الفلسطينيين.
كما أوضح أن “الهجوم على غزة ليس مجرد صراع سياسي، بل هو اعتداء على الإنسانية”.
وقال: “اليوم، تسقط الصواريخ على 70 ألف شخص في غزة، يقتلون أمام أعيننا بينما لا تتحرك الأمم المتحدة ولا المجتمع الدولي بشكل جاد لوقف هذه المجزرة”.
وأضاف: “يجب أن تتوقف الأمم المتحدة عن السماح بالإبادة في غزة. لا يمكن للإنسانية أن تسمح بيوم آخر من القتل، سواء من نتنياهو أو حلفائه في الولايات المتحدة وأوروبا”.
واعتبر الرئيس الكولومبي أن استخدام “الفيتو” في مجلس الأمن ضد قرارات وقف الهجمات على غزة يعكس غياب الإرادة السياسية لحماية المدنيين الفلسطينيين.
وقال: “كل يوم يتم فيه اعتراض الفيتو هو يوم أكثر من قتل الأطفال. كل فيتو مزيد من القنابل، كل فيتو مزيد من الموت. من يفرض الفيتو لا يفكر كأب أو أم، ولا يعيش، إنه مجرد روبوت لأنه ليس لديه قلب ليمنع الفيتو”.
وانطلقت أمس الأربعاء أعمال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد يوم من عقد “المؤتمر الدولي الرفيع المستوى من أجل تسوية سلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين” في مدينة نيويورك، والذي حظي بتأييد 142 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
حيث تم اعتماد “إعلان نيويورك” الذي يثبت الالتزام الدولي بحل الدولتين، ويحدد مسارًا لا رجعة فيه لبناء مستقبل أفضل للفلسطينيين و”الإسرائيليين” وشعوب المنطقة كلها.
وبينما كان الموقف الأميركي رافضًا للإعلان، إلا أن المواقف العالمية أكّدت ضرورة التوصل إلى تسوية سلمية للقضية الفلسطينية، على الرغم من التهديدات “الإسرائيلية” بالرد.
وتواصل قوات الاحتلال منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بدعم مباشر من الولايات المتحدة ودول غربية، شن حرب مدمرة في غزة، أسفرت حتى اليوم عن استشهاد وإصابة نحو 232 ألف فلسطيني، كما استشهد جراء التجويع 442 فلسطينيا بينهم 147 طفلا، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية في القطاع.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY