أثار تصاعد الاعتقالات السياسية والاستدعاءات التي تنفذها الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في عدد من محافظات الضفة الغربية المحتلة، تساؤلات بشأن دوافع عودة هذه الملاحقات وارتفاع وتيرتها، في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي وتصاعد الإجراءات العسكرية والاستيطانية، وما يرافقها من ملاحقة للمقاومين والناشطين الفلسطينيين.
وقالت لجنة أهالي المعتقلين السياسيين في سجون السلطة، في بيان، إنها رصدت أكثر من 30 حالة اعتقال سياسي، إلى جانب عشرات الاستدعاءات، خلال الفترة الأخيرة، في مؤشر على اتساع نطاق الملاحقات الأمنية.
وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات حقوقية من تعرض عدد من المعتقلين لسوء المعاملة والتعذيب، ما يعيد ملف الاعتقال السياسي إلى واجهة المشهد الفلسطيني، ويثير تساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي تؤديه الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة في ظل المرحلة الراهنة.
وفي قراءة سياسية لهذه التطورات، يرى الكاتب والمحلل السياسي ياسين عز الدين، في حديث لـ”قدس برس”، أن عودة الاعتقالات السياسية وارتفاع وتيرتها يرتبطان بما وصفه بتساوق السلطة مع مخططات الاحتلال، الهادفة إلى تكثيف قمع المقاومة في الضفة الغربية، وتعويض إخفاق قوات الاحتلال وأجهزته الاستخبارية في وقف نشاطها.
وأضاف عز الدين أن تفسير ما يجري لا يحتاج، بحسب تقديره، إلى البحث عن أسباب بعيدة أو معقدة، معتبراً أن جوهر المشكلة يكمن في طبيعة الدور الذي تؤديه السلطة خلال المرحلة الحالية.
وفيما يتعلق بالربط بين تصاعد الاعتقالات والمحادثات الفلسطينية الجارية في القاهرة، استبعد عز الدين وجود علاقة مباشرة بين المسارين، قائلاً إن رئيس السلطة محمود عباس لا ينظر إلى هذه المحادثات باعتبارها مساراً جدياً، وإنما يشارك فيها، وفق تقديره، لكسب الوقت وتشتيت الانتباه عن أجندته الحقيقية.
من جهته، قدّم أستاذ العلوم السياسية الدكتور أمجد شهاب قراءة تربط هذه التطورات بطبيعة الدور الوظيفي للسلطة وأجهزتها الأمنية، معتبراً أنها تأتي في سياق تحول دور السلطة إلى إدارة الشؤون اليومية للفلسطينيين داخل المدن والبلدات التي باتت، وفق توصيفه، أشبه بمعسكرات اعتقال، تحاصرها قوات الاحتلال وتتحكم بمداخلها ومخارجها.
وقال شهاب، في حديث لـ”قدس برس”، إن “الجواب معروف”، موضحاً أن دور السلطة بات يتمثل في إدارة هذه المدن وتسيير شؤون الفلسطينيين فيها، في ظل تنفيذها أوامر منظومة الاحتلال، بما يخدم، بحسب تقديره، التمهيد لمشاريع التهجير الصامت، الحالية والمستقبلية.
وأضاف أن السلطة تحولت إلى “أداة تنفيذية بيد سلطة الاحتلال الإسرائيلية”، مشيراً إلى أن نحو 70 ألف عنصر من الأجهزة الأمنية الفلسطينية يتولون ضبط الفلسطينيين، في سياق ما وصفه بمحاولة تحويل القضية الفلسطينية من قضية شعب يسعى إلى تقرير مصيره إلى ملف لاجئين وأزمة إنسانية.
وربط شهاب بين تصاعد هذه السياسات وما اعتبره تحولاً في طبيعة المشروع الإسرائيلي في الضفة الغربية، من مرحلة إدارة الاحتلال إلى مرحلة الإحلال، القائمة على انتزاع السكان الأصليين من أرضهم وإحلال المستوطنين مكانهم.
وأشار إلى أن نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية باتوا محاطين بالبوابات والحواجز العسكرية، التي تقطع أوصال المدن والقرى وتقيّد حرية الحركة، معتبراً أن هذه الجغرافيا تعكس واقعاً أشبه بمعسكرات الاعتقال، تتحكم به قوات الاحتلال والمستوطنون.
انتهاكات حقوقية وتعذيب للمعتقلين
وعلى الصعيد الحقوقي، أكد مدير مجموعة “محامون من أجل العدالة”، المحامي مهند مراجعة، أن المجموعة وثقت مؤخراً أكثر من 21 حالة اعتقال سياسي لدى الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، شملت معتقلين من مختلف محافظات الضفة الغربية.
وأوضح مراجعة أن عدداً من المعتقلين الذين وثقت المجموعة حالاتهم تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة، الأمر الذي يثير مخاوف بشأن ظروف احتجازهم والانتهاكات التي قد يتعرضون لها خلال فترات التوقيف والتحقيق.
وتأتي هذه المعطيات في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تداعيات استمرار الاعتقالات السياسية على الوضع الداخلي الفلسطيني، لا سيما في ظل تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية والعمليات العسكرية في الضفة الغربية، وما تفرضه من تحديات أمنية وسياسية واجتماعية على الفلسطينيين.
وبينما تشير أرقام لجنة أهالي المعتقلين السياسيين إلى أكثر من 30 حالة اعتقال وعشرات الاستدعاءات، في حين وثقت مجموعة “محامون من أجل العدالة” أكثر من 21 حالة اعتقال، تتباين القراءات السياسية والحقوقية في تفسير دوافع هذا التصعيد، لكنها تلتقي عند التحذير من خطورة استمرار الملاحقات الأمنية وما يرافقها من انتهاكات، وانعكاساتها على الحريات العامة وتماسك الوضع الفلسطيني الداخلي.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY