في كل مرة يُعاد فيها إحياء فكرة “أسطول الحرية”، تعود معها أسئلة قديمة متجددة: هل ما زالت هذه المبادرات قادرة على كسر الحصار المفروض على غزة؟ أم أنها تحوّلت إلى أدوات رمزية في معركة الوعي، أكثر من كونها وسائل ضغط فعلي؟
لم تعد قوافل “أسطول الحري”” مجرد محاولات بحرية لكسر الحصار، بل غدت حدثًا سياسيًا وإعلاميًا يعكس صراع الإرادات بين ناشطين دوليين يسعون لفرض واقع إنساني مختلف، وبين “إسرائيل” التي تتمسك بمعادلة السيطرة الكاملة.
وبرزت هذه المبادرة بشكل لافت عام 2010، حين حاولت سفن مدنية دولية كسر الحصار البحري على قطاع غزة. وشكّل الهجوم الإسرائيلي على سفينة “مافي مرمرة” نقطة تحوّل مفصلية، بعد مقتل عدد من النشطاء، وما تبعه من موجة إدانات دولية واسعة. منذ ذلك الحين، باتت هذه الأساطيل أحد أبرز أشكال التضامن الشعبي العابر للحدود.
ومنذ تلك الحادثة، لم تعد المواجهة في البحر مجرد احتكاك عسكري، بل تحوّلت إلى ساحة مكثفة لصراع الروايات؛ إذ تروّج “إسرائيل” لخطاب
“الأمن والسيادة”، فيما يطرح منظمو الأسطول رواية “الحق الإنساني وكسر الحصار”، وبين الخطابين يتشكل الرأي العام العالمي.
في هذا السياق، يرى المختص الدولي والناشط الفلسطيني، ومنسق حملة الأشرطة الحمراء لأجل الأسرى الفلسطينيين، عدنان حميدان، أن أساطيل الحرية تُعد جزءًا من حالة نضالية لا تُقاس بمنطق الربح والخسارة المباشرة.
وقال حميدان لـ”قدس برس” إنّ هذه الأساطيل، حتى عندما تفشل في الوصول إلى غزة، تنجح في كشف حقيقة الحصار المفروض على أكثر من مليوني فلسطيني، وتُسهم في تفكيك الصورة التي عمل الاحتلال على ترسيخها في الوعي العالمي.
وأضاف أن هذه المبادرات تصيب الاحتلال في واحدة من أكثر الجبهات حساسية: جبهة الصورة والسردية. موضحًا أن “إسرائيل” سعت لعقود إلى تقديم نفسها كـ”واحة ديمقراطية” و”دولة قانون”، لكن مهاجمة سفن مدنية أو منع وصول الغذاء والدواء إلى سكان محاصرين، يقوّض هذه الصورة تدريجيًا أمام الرأي العام الدولي.
وأكد أن قيمة هذه التحركات لا تكمن فقط فيما تحمله من مساعدات، بل في الأسئلة التي تطرحها: لماذا يُحاصر قطاع غزة؟ وبأي حق يُمنع متضامنون دوليون من الوصول إلى المدنيين؟ وكيف لدولة تدّعي الديمقراطية أن تتصرف خارج إطار القانون الدولي؟
وأشار إلى أن السفن تتحول في هذا السياق إلى منصات سياسية وإعلامية عابرة للحدود، مضيفًا أن الاحتلال قد ينجح في اعتراض المسار البحري، لكنه يعجز عن احتواء الأثر الرمزي والسياسي لهذه المبادرات.
وتابع: “كل اعتداء جديد يوسّع دائرة التضامن، ويرفع الكلفة الأخلاقية للحصار، ويحوّل القضية من شأن محلي إلى اختبار عالمي للعدالة”.
واستحضر حميدان تجارب تاريخية، مثل حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، ومقاطعة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، مؤكدًا أن كثيرًا من أشكال النضال لم تُثمر فورًا، لكنها راكمت أثرًا عميقًا على المدى الطويل.
وشدد على أن أساطيل الحرية ليست بديلًا عن بقية أدوات النضال، بل جزء من منظومة متكاملة تشمل العمل الشعبي والإعلامي والقانوني، وتؤكد أن الحصار ليس واقعًا طبيعيًا يمكن التعايش معه.
واعتبر أن وصف هذه المبادرات بـ”العبثية” يعكس فهمًا قاصرًا لطبيعة النضال السياسي، إذ يختزل قيمتها في الوصول الجغرافي، ويتجاهل أثرها التراكمي في كسر الحصار على مستوى الوعي والسردية.
وأضاف أن تعامل الاحتلال معها بجدية، من خلال اعتراضها والضغط لمنع انطلاقها، يكشف حجم تأثيرها الحقيقي، مؤكدًا أنها تُعد من أبرز أدوات “كسر التطبيع مع الحصار”، حتى وإن لم تنجح في كسره ماديًا.
من جهته، أكد مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، أن أساطيل الحرية تمثل أحد أبرز أشكال الحراك الدولي المدني لكسر الحصار وتسليط الضوء على تداعياته الإنسانية.
وأوضح في حديثه لـ”قدس برس” أن هذه المبادرات غالبًا ما تواجه اعتراضات واعتداءات من قبل الاحتلال، ما يعكس تعامله معها كتحدٍ سياسي وإعلامي، وليس مجرد نشاط إنساني.
وأضاف أن هذه التحركات، رغم محدودية قدرتها على الوصول إلى غزة، تؤدي أدوارًا مهمة، أبرزها إعادة طرح قضية الحصار دوليًا، وفضح سياسات الإغلاق، وإحداث ضغط أخلاقي وسياسي من خلال مشاركة نشطاء وشخصيات دولية.
وأشار إلى أنها تسهم في تحفيز مواقف رسمية وشعبية في عدة دول، وتعزز البعد الإنساني للقضية الفلسطينية، من خلال مشاركة متضامنين من خلفيات متنوعة.
وشدد على أن تقييم هذه المبادرات يجب ألا يُختزل في معيار الوصول، بل في أثرها التراكمي سياسيًا وإعلاميًا وحقوقيًا، مؤكدًا أنها تسهم في بناء رأي عام دولي أكثر وعيًا، وتُبقي ملف الحصار حاضرًا في المحافل الدولية.
وختم بالتأكيد على أهمية تكامل هذه الجهود مع مسارات أخرى، تشمل التحرك الدبلوماسي، والعمل القانوني، والجهود الإنسانية المنظمة، داعيًا إلى توفير الحماية الدولية للناشطين وضمان حرية العمل الإنساني وفق القانون الدولي.
ويذكر أن البحرية الإسرائيلية سيطرت فجر الخميس، على سفن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى قطاع غزة، بينما لا يزال بعيدا عن سواحل القطاع.
ونقلت إذاعة الجيش -عن مصدر عسكري- أنه تقرر تنفيذ عملية السيطرة على الأسطول بعيدا عن سواحل “إسرائيل”، بسبب حجمه الذي يشارك فيه نحو 100 قارب و1000 ناشط.
وأضافت الإذاعة أن الجيش بدأ عملية السيطرة في منطقة جزيرة كريت في المياه الدولية.
من جهته، قال “أسطول الصمود 2” المدني، إن “إسرائيل” قامت بتخريب 21 سفينة تابعة له وتركها مهجورة في عرض البحر، وتركت عددًا من المدنيين عالقين على متنها، فيما اختطفت آخرين.
وأوضح الأسطول في بيان صحفي، أن “إسرائيل” تصدّر تكتيكات التدمير المُدبّر إلى المياه الدولية، كما أنها تمارس أسلوب التخلي التي استخدمته في تدبير الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY