Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

من المدرسة إلى السوق والمستشفى.. كيف تشل اقتحامات الاحتلال الحياة في الضفة؟

لا يحتاج الاحتلال الإسرائيلي إلى إغلاق مدينة فلسطينية بقرار معلن حتى يعطل الحياة فيها؛ فمجرد اقتحام قوة عسكرية لمنطقة سكنية، أو انتشار الجنود والآليات في شوارعها، كفيل بتحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى حالة من الفوضى والانتظار والقلق.

تماما كما جرى في مدينة نابلس، نهاية الأسبوع الماضي، مع اقتحام آلاف المستوطنين بحماية قوات الاحتلال المنطقة الشرقية من المدينة، لأداء طقوس تلمودية في مقام “يوسف”، حيث توقفت الحياة تماما على بقعة جغرافية تكاد تصل إلى 40% من المدينة ومحيطها.

مدارس تغلق أبوابها، وموظفون يتعذر وصولهم إلى أماكن عملهم، ومحال تجارية تخفض أبوابها، ومؤسسات وبنوك تؤجل خدماتها، فيما يجد المرضى والطواقم الطبية أنفسهم أمام طرق مقطوعة أو نقاط تفتيش تعيق الوصول إلى المستشفيات والمراكز الصحية.

ولا تتوقف تداعيات الاقتحامات عند الساعات التي تبقى فيها القوات الإسرائيلية داخل المنطقة، إذ تمتد آثارها إلى ما بعدها، بعدما يصبح السكان أمام يوم عمل ضائع، وموعد طبي مؤجل، وامتحان لم يعقد، وبضائع لم تصل إلى أصحابها، وخسائر مالية تتراكم فوق اقتصاد فلسطيني يعاني أصلاً من أزمات متلاحقة.

ويقول مدير الإغاثة الطبية في نابلس غسان حمدان، إن الاقتحامات الإسرائيلية تخلق “حالة من الإرباك الكبير” في مختلف مناحي الحياة، مشيراً إلى أن القوات الإسرائيلية لا تبدي اهتماماً بتفاصيل حياة الفلسطينيين وما يمكن أن يترتب على إجراءاتها العسكرية من تداعيات على المرضى والطلاب والعمال وأصحاب المصالح.

ويوضح حمدان في حديث لـ”قدس برس” أن القطاع الصحي يكون من أكثر القطاعات تأثراً بهذه الإجراءات، إذ يصبح الوصول إلى المراكز الطبية والمستشفيات أكثر صعوبة، كما يواجه العاملون الصحيون أنفسهم مشكلات في الوصول إلى أماكن عملهم، في وقت قد تكون فيه بعض الحالات الطبية بحاجة إلى تدخل سريع ولا تحتمل الانتظار.

ولا تقتصر المشكلة، وفق حمدان، على الجانب الصحي، إذ إن تعطيل الحركة في المدن والقرى الفلسطينية ينعكس على مجمل النشاط الاقتصادي والاجتماعي، ويؤدي إلى خسائر مباشرة وغير مباشرة، سواء بالنسبة إلى أصحاب المحال التجارية أو العمال أو المؤسسات التي تتوقف أعمالها خلال ساعات الاقتحام.

اقتصاد تحت الاقتحام

في الأسواق والشوارع، تبدو آثار الاقتحامات أكثر وضوحاً. فالتاجر الذي يضطر إلى إغلاق محله، والعامل الذي لا يستطيع الوصول إلى مكان عمله، والمواطن الذي يؤجل شراء احتياجاته، كلها حلقات في سلسلة اقتصادية تتعرض للاهتزاز مع كل عملية عسكرية.

وتزداد الخسائر عندما تتكرر الاقتحامات في المنطقة نفسها، لأن حالة عدم اليقين تدفع أصحاب الأعمال إلى تقليص ساعات العمل، فيما يجد المواطنون صعوبة في التخطيط لمواعيدهم والتزاماتهم اليومية.

ويرى حمدان أن المشكلة الأوسع تتمثل في أن الفلسطيني بات يعيش حياته وفق احتمال الاقتحام، وليس وفق نظام طبيعي ومستقر، قائلاً إن هذا الواقع ينعكس على الصحة النفسية والاجتماعية للسكان، إلى جانب آثاره الاقتصادية والخدمية.

ويضيف أن “حالة الإرباك” لا تصيب الأفراد وحدهم، بل تمتد إلى المؤسسات، التي تضطر في كثير من الأحيان إلى اتخاذ قرارات احترازية بإيقاف العمل أو تقليصه، بما في ذلك المؤسسات التعليمية والخدماتية والصحية.

سياسة تتجاوز الأمن

ولا ينظر المختص في الشؤون الإسرائيلية عمر جعارة إلى هذه الاقتحامات باعتبارها أحداثاً أمنية منفصلة، بل يضعها في سياق سياسة أوسع تجاه الضفة الغربية.

ويقول جعارة في حديث لـ”قدس برس”، إن سياسة الاقتحامات “تشرف عليها أعلى المستويات السياسية في (إسرائيل)، إلى جانب الأجهزة الأمنية”، معتبراً أن تكرارها واتساع نطاقها يشيران إلى أنها ليست مجرد إجراءات ميدانية مرتبطة بحدث محدد.

ويضيف أن الرسالة التي تحملها هذه السياسة للفلسطينيين تتمثل في أن “الاحتلال هو المتحكم بتفاصيل حياتهم”، من الذهاب إلى المدرسة والعمل، إلى الوصول للمستشفى وفتح المتجر وممارسة النشاط الاقتصادي.

ويشير إلى أن “إسرائيل” لا تحتاج في كل مرة إلى فرض إغلاق شامل ومعلن؛ فوجود القوات العسكرية في الشوارع، وإقامة الحواجز، وعمليات التفتيش والملاحقة، تكفي عملياً لإحداث شلل في الحياة العامة، وتدفع السكان إلى إعادة ترتيب يومهم وفق حركة الجيش الإسرائيلي.

ويعتبر جعارة أن خطورة هذه السياسة تكمن أيضاً في أثرها التراكمي، إذ إن تكرار الاقتحامات يجعل تعطيل الحياة أمراً اعتيادياً، ويضع المجتمع الفلسطيني أمام حالة مستمرة من عدم الاستقرار، ويزيد من كلفة النشاط الاقتصادي والاجتماعي.

الفلسطينيون أمام الفعل الإسرائيلي

في المقابل، يبرز سؤال آخر يتعلق بقدرة المؤسسات الفلسطينية على التعامل مع هذا النمط المتكرر من الإجراءات الإسرائيلية. فمع كل اقتحام، يبدو المشهد الفلسطيني أقرب إلى رد فعل على ما يقرره الاحتلال، من دون وجود خطة متكاملة للتعامل مع تداعيات تعطيل المدارس أو الخدمات الصحية أو النشاط الاقتصادي.

ويقول حمدان إن “غياب الخطة والرؤية الفلسطينية” يمثل مشكلة حقيقية، موضحاً أن الفلسطينيين غالباً ما يجدون أنفسهم في موقع المتلقي للحدث، فيما يبقى الفعل والقرار بيد الاحتلال.

ويضيف أن السلطة الفلسطينية، التي يفترض أن تكون صاحبة دور في حماية مصالح السكان وتنسيق الخدمات، تبدو غائبة عن مواجهة التداعيات اليومية لهذه السياسة، بينما تتحمل المجتمعات المحلية والمؤسسات والأفراد الأعباء المباشرة.

وبينما يستمر الاحتلال في استخدام القوة العسكرية داخل المناطق السكنية، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام معادلة تتجاوز الاقتحام بحد ذاته: حياة عامة قابلة للتعطيل في أي لحظة، واقتصاد يدفع ثمن الإغلاق، ومرضى قد يتأخرون عن العلاج، وطلاب يحرمون من التعليم، ومؤسسات لا تعرف متى تستطيع ممارسة عملها بصورة طبيعية.

وهكذا، لا يعود الاقتحام مجرد عملية عسكرية تنتهي بانسحاب الجنود، بل يتحول إلى حدث يترك وراءه مدينة أو قرية مثقلة بالخسائر والاضطراب، ويعيد تذكير سكانها بأن الاحتلال لا يزال قادراً على التدخل في أدق تفاصيل حياتهم اليومية.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY