Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

من السيارات إلى “العقلاة”.. الاحتلال يستهدف وسائل النقل البديلة ويضيّق شرايين الحياة

لم تعد الحرب في قطاع غزة تستهدف ما يحيط بالإنسان فحسب، بل باتت تطال الوسائل التي يحاول من خلالها الحفاظ على الحد الأدنى من حياته اليومية. ففي قطاع دُمّرت فيه أعداد كبيرة من المركبات، وشحّ فيه الوقود، تحولت عربات النقل البديلة إلى وسيلة اضطرارية للوصول إلى المستشفيات والأسواق وأماكن العمل ومناطق السكن، قبل أن يطالها القصف أيضًا.

وفي حي تل الهوى بمدينة غزة، استهدفت غارة إسرائيلية، في 30 أيلول/سبتمبر، مركبة لنقل الركاب كانت تجر عربة مخصصة لنقل المواطنين، ما أسفر، وفق مصادر طبية، عن استشهاد خمسة أشخاص وإصابة 13 آخرين، فيما تحدثت مصادر فلسطينية أخرى عن ارتفاع حصيلة الإصابات إلى 15.

ولا يختزل المشهد في أعداد الشهداء والمصابين، إذ كانت المركبة المستهدفة جزءًا من منظومة نقل اضطر سكان غزة إلى ابتكارها تحت ضغط الدمار ونقص الوقود. ومع تراجع قدرة السيارات والحافلات التقليدية على العمل، أصبحت العربات المجرورة حلًا بديلًا لتقليص المسافات وربط الأحياء ببعضها.

فالعربة التي كانت تسير خلف المركبة لم تكن وسيلة رفاهية أو خيارًا عابرًا، بل نتيجة مباشرة للظروف التي فرضتها الحرب، إذ يعتمد سكان القطاع على هذه الوسائل بعد تدمير أعداد كبيرة من المركبات وشحّ الوقود، ما جعلها جزءًا من الحياة اليومية في غزة.

ويحمل استهداف وسائل النقل هذه أثرًا يتجاوز الخسائر البشرية المباشرة، إذ يهدد أحد الشرايين القليلة المتبقية أمام المدنيين للتنقل بين المناطق. فالطالب الذي يحاول الوصول إلى مكان تعليمي، والمريض الذي يحتاج إلى مستشفى، والعائلة التي تبحث عن الغذاء، والعامل الذي يحاول الوصول إلى مصدر رزقه، جميعهم يحتاجون إلى وسيلة للحركة، وكلما تقلصت وسائل النقل اتسعت دائرة العزلة التي يعيشها السكان.

الثوابتة: استهداف “العقلاة” يضرب شريان الحركة الأخير

مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، قال إن الاستهداف المباشر لـ”باص العقلاة” (حافلة صغيرة تجر عربة ركاب) قرب مجلس الوزراء في حي تل الهوى بمدينة غزة، يحمل دلالات خطيرة، ويعكس، وفق تقديره، تطورًا في منهجية الاحتلال بضرب البنية المدنية البديلة، ويضع أمن المواطنين أثناء استخدام وسائل النقل العام أمام تحديات قاسية.

وأضاف الثوابتة، في حديث لـ”قدس برس”، أن “العقلاة” تمثل وسيلة النقل الاضطرارية الأبرز في غزة بعد تدمير المركبات وانعدام الوقود، معتبرًا أن استهدافها يعكس “سياسة ممنهجة لضرب شريان الحركة الأخير المتبقي”، ومنع المواطنين من تلبية احتياجاتهم الأساسية من العلاج والتنقل.

وأوضح أن عربات “العقلاة” مكشوفة وتفتقر إلى أدنى معايير السلامة، وغالبًا ما تكون مكتظة بالركاب، مشيرًا إلى أن استخدام الصواريخ أو القذائف الموجهة ضدها يرفع، وفق تقديره، احتمالات وقوع أعداد كبيرة من الضحايا في الضربة الواحدة.

ويرى الثوابتة أن الاحتلال يرسل، من خلال استهداف هذه الوسائل، رسالة مفادها أن أي محاولة مجتمعية لابتكار حلول بديلة تخفف من وطأة الحرب وتكسر قيود التنقل ستتعرض للاستهداف.

وشدد على أن هذه الاستهدافات تقوض ما تبقى من إمكانات الحركة المدنية الآمنة، وتجعل استخدام وسائل المواصلات البسيطة “مغامرة مباشرة نحو الموت”.

وأشار إلى أن كون العربة مكشوفة ومصنوعة من مواد خفيفة أو من الحديد المعاد تدويره يجعل الركاب أكثر عرضة للشظايا والضغط الانفجاري، بما قد يؤدي إلى سقوط قتلى وإصابات خطيرة وبتر أطراف وتشوهات بالغة، وفق قوله.

وأضاف أن تكرار مثل هذه الاستهدافات من شأنه بث الرعب في نفوس السائقين وأصحاب هذه المركبات، بما قد يؤدي إلى مزيد من الشلل في منظومة النقل، ويهدد بتقطيع أوصال المدينة وعزل الأحياء السكنية عن المستشفيات والأسواق المركزية.

أبو قمر: التصعيد الإسرائيلي يتزامن مع الاستحقاقات السياسية في “إسرائيل”

وفي السياق ذاته، يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر أن وتيرة التصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة شهدت ارتفاعًا لافتًا خلال الأيام الماضية، في ظل سقوط نحو عشرة شهداء يوميًا في بعض الأيام.

وقال أبو قمر، في حديث لـ”قدس برس”، إن المؤشرات الراهنة تنذر بمرحلة أكثر تصعيدًا وتضييقًا على القطاع، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.

وأوضح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى، من خلال تكثيف الهجمات على غزة، إلى تحقيق جملة من الأهداف السياسية، في مقدمتها توجيه رسائل إلى اليمين الإسرائيلي بأنه لا يخضع للضغوط، وأنه ماضٍ في تنفيذ سياساته، بما في ذلك التنصل من الالتزامات المترتبة على اتفاق وقف إطلاق النار، وفق تقديره.

وأضاف أن تراجع شعبية نتنياهو في استطلاعات الرأي، وما وصفه بإخفاقاته على مختلف الجبهات، يدفعه إلى محاولة استعادة حضوره السياسي من خلال التصعيد العسكري، وتقديم نفسه أمام جمهوره بوصفه قائدًا يتبنى نهجًا متشددًا في مواجهة ما يصفه بالتهديدات الأمنية.

وأشار أبو قمر إلى أن نتنياهو يحاول، بالتوازي مع التصعيد الميداني، إبراز صورة مفادها أن الجبهات المحيطة بـ”إسرائيل” مشتعلة، من خلال التحذيرات الأمنية والاجتماعات العاجلة للمجلس الأمني، بما قد يشكل، وفق تقديره، مدخلًا لتبرير تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، في ظل ما يواجهه من صعوبات في تشكيل الحكومة المقبلة، بحسب مؤشرات استطلاعات الرأي.

ولفت إلى أن طبيعة الاستهدافات الإسرائيلية في قطاع غزة تجاوزت، خلال الأيام الأخيرة، أنماطًا سابقة من الهجمات، لتشمل استهدافات مباشرة لمواطنين وأهداف ميدانية، إلى جانب قصف شقق سكنية، الأمر الذي يرفع احتمالات سقوط مزيد من الضحايا في صفوف المدنيين، ويعكس اتساع نطاق التصعيد، وفق قوله.

وبيّن أبو قمر أن التصعيد العسكري يترافق مع تشديد القيود على المعابر وتراجع التسهيلات المتعلقة بالجوانب الإنسانية والإغاثية، بما يشمل دخول المساعدات إلى القطاع، محذرًا من أن استمرار هذه السياسات ينذر بتفاقم الأوضاع الإنسانية والمعيشية في غزة خلال المرحلة المقبلة.

وشدد على أن مجمل المؤشرات السياسية والميدانية والإنسانية توحي بأن قطاع غزة مقبل على مرحلة شديدة الصعوبة، في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي وتزايد الضغوط على السكان، بالتزامن مع الاستحقاقات السياسية الداخلية في إسرائيل.

وبينما تحولت “العقلاة” وغيرها من وسائل النقل البديلة إلى حلول اضطرارية فرضتها الحرب، فإن استهدافها لا يطال وسيلة نقل فحسب، بل يهدد إحدى الأدوات المحدودة التي يعتمد عليها سكان القطاع للحفاظ على قدرتهم على الحركة والوصول إلى العلاج والغذاء والعمل، في ظل واقع إنساني وميداني يزداد صعوبة.

وكانت وزارة الصحة في غزة قد أعلنت ارتفاع حصيلة الشهداء منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى 74,237 شهيدًا، فيما بلغت الإصابات 175,206، في حين ارتفعت حصيلة الشهداء منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/أكتوبر 2025 إلى 1,454 شهيدًا، إضافة إلى 5,090 إصابة، وانتشال جثامين 835 شهيدًا.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY